جامعة القدس المفتوحة

على الطريق.. بقلم سماح خالد دراغمة- فرع طوباس

نشر بتاريخ: 12-09-2012

كعادتي في فصل الصيف، أستيقظ مبكراً مع طلوع الفجر قبل أن تشرق الشمس وأجلس على سطح بيتنا المطلّ على معظم أجزاء مدينتنا، لأني أحبّ هذا الوقت جداً، فهو يشعرني بالراحة والأمل والسعادة، وأحس بنسمات الصباح الصيفية دواء لي من كلّ ألم، وفيها أملٌ لي لتحقيق نجاح أحلم به.

اكتشفت هذا الجوّ الممتع عندما كنت أدرس للثانوية العامة، وأعدّ نفسي للامتحانات الوزارية. لقد كانت من أجمل أيام عمري. صحيح أني لم احصل على المعدل الذي كنت أرغب فيه، ولم أدرك أهمية هذه المرحلة إلا بعد وقت من انتهائها، ولكني استفدت من تجربتي فيها أشياء كثيرة جدا. استفدت منها أن أكون جادّة وألا أضيع كثيراً من الوقت في أشياء لا أستفيد منها، وأن أجعل لكلّ شيء وقته. أدركت أني كنت فتاة مستهترة، ولكني عاهدت نفسي أن أكون منظمة، وأن أستغل وقتي من أجل تحقيق أحلامي التي حلمت بها منذ زمن، وتلاشت هذه الأحلام ولكنها عادت لتنير طريقي. لن أدع شيئا يقف أمام أحلامي.

صحيح أن كثيراً من الوقت ضاع، لكني سأكون في سباق مع هذه الأحلام، وأنا متأكدة من أني سأنجح، وفي الأيام القادمة سأحصل على ما أريد بفضل إرادتي.

والآن وبعد أن أخذتني ذاكرتي في رحلة إلى أيام مضت، وبعد تناول إفطاري وقليل من الدراسة، بدأ الناس بالذهاب إلى أعمالهم. لقد ذهب الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، والموظفون إلى وظائفهم والعمال إلى أعمالهم. بدأ صوت الضجيج بعد أن كان الهدوء في جميع أنحاء المدينة، وبدأت الأصوات تتعالى شيئاً فشيئا، هذا يصرخ على ابنه، وتلك تنتظر قدوم الحافلة لترسل ابنها إلى روضته، وهذه تنادي على جارتها لتشربا القهوة معا، والبائعون المتجولون شرعوا في القدوم إلى المدينة ليبحثوا عن رزق لهم فيها.

أجهّز نفسي لأذهب إلى جامعتي أنا أيضا، وألتقي مع صديقاتي ونتحدث بما يستجدّ من أمور، ونضحك ونمرح وندرس. نحن لا نهتمّ بالسياسة كثيراً، ولا نتحدّث عنها سوى ما يهمّ وطننا فلسطين، كأخبار الاجتياحات والإغلاقات وهكذا. وفي أغلب أوقاتنا نتحدّث عن أخبار الفن والفنانين والطبخ وأشياء أخرى كثيرة. وفي هذه الفترة نتحدث عن موضوع في غاية الأهمية ويهمنا جميعاً، وهو ما يشغل حديثنا منذ زمن. إنه موضوع يتحدث عنه جميع الناس، وهو استحقاق أيلول والتوجه إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالعضوية الكاملة، وإعلان الدولة الفلسطينية.

لقد اقترب موعده لم يبق سوى يوم واحد. صديقات اليوم يتحدثن عن الاحتفالات والمسيرات التي ستقام تأييدا لرئيس دولتنا، وعن أنهن سوف يذهبن ليشاركن في هذه الاحتفالات، وأنا انظر إليهن بعيون حزينة وابتسامة خفيفة. نظرة الحزن هذه نابعة من  كوني لا أستطيع أن أشارك في هذه الاحتفالات التي ستقام، لأن قوانين أسرتي وقواعدها لا تسمح بمشاركتي، فالاحتفالات من وجهة نظرهم خاصة بالشباب وحدهم دون الإناث. الإناث يمكثن في البيت، ولا يجوز لهن المشاركة في مثل هذه الأمور. أمر غريب أنهم يسمحون لي بالذهاب إلى الجامعة وركوب الحافلة، ولكنهم لا يسمحون لي بالذهاب إلى تلك الاحتفالات. ما هذا المنطق الذي يفكرون به؟

سألتني إحدى صديقاتي في الجامعة: هل ستأتين اليوم أو غداً إلى الاحتفالات التي ستقام في وسط البلد؟ ستكون احتفالات رائعة. الكلّ سيذهب، وستأتي فرق فنية مشهورة إلى هنا. لا تضيعيها. احتفالات مثل هذه لا تتكرّر، وأحداث مثل هذه لا تتكرّر.

قلت: لا أعتقد ذلك، ولكني سأحاول إقناع والديّ لعلهما يسمحان لي بالمشاركة!

قالت صديقتي: ابذلي كلّ ما في وسعك لكي تأتي.

قلت: سأفعل، وسأحاول بقدر ما أستطيع.

وصلت البيت مبكراً، فهو لم يكن دواماً عادياً، بل كان هنالك تعليق للدوام في الجامعة، لأنه اليوم السابق للمناسبة. وجدت أمي في المطبخ كعادتها تعدّ طعام الغداء. كانت أمي متعبة، فقد قامت بأعمال البيت جميعها وحدها مثل جميع الأمهات. وبالرغم من ذلك بدأت محاولاتي إقناعها بأن أذهب مع صديقاتي إلى الاحتفالات التي ستقام. قلت: أمي، الكل يتحدث عن استحقاق أيلول والدولة، والأعلام تملأ الأمكنة. في التلفاز يتحدّثون وفي الشارع وفي الجامعات والمدارس، والجارات أيضا يتحدثن، بالرغم من أنهن لم يدخلن الجامعات، وحتى أنتم في البيت تتحدثون عنه أيضا. اليوم وغدا توجد احتفالات وسط البلد، وجميع صديقاتي ذاهبات. أرجوك أن تدعيني أذهب. هذه الفرصة لن تتكرر أبداً. اسمحي لي أن أعيش لحظات من السعادة وسط أهل مدينتنا ومع صديقاتي. أرجوك.

قالت أمي: لا، لن تذهبي. الشوارع مليئة بالشباب، ووالدك لا يقبل بهذا الأمر بتاتا.

حاولت مرات عديدة إقناع والدي ووالدتي ولكنهما لم يقتنعا. بكيت وصرخت ولم أتناول الطعام ولكن ذلك لم يغيّر شيئاً. وفكرت: هل هذه قسوة من والديّ أم أنها العادات والتقاليد؟

لم أفهم سبب هذا الرفض، وأنا أعيش أحداثاً متناقضة في حياتي اليومية: فالجامعة التي أدرس فيها مختلطة، وفي الحافلة قد يجلس بجانبي شاب. لماذا يسمح بذلك، ولا يسمح بالاحتفال؟

قلت في داخلي بعد أن استسلمت للأمر الواقع: "المهم أن احضر لحظة الولادة ذاتها.  ليست المشكلة بالمكان. المهم أن أحضر الخطاب وأرى الشخص الذي سيطالب بحقنا كشعب من شعوب العالم.

ومضى اليوم بمشاقّه ومتاعبه وجاء اليوم المنتظر.

يوم الجمعة، الثالث والعشرون من أيلول، استيقظت مبكراً كعادتي. كان الجوّ غائماً على عكس اليوم السابق. حجبت الغيوم الشمس، وكان الجوّ بارداً قليلا، بالرغم من أنه من أيام الصيف الحار. اليوم الجمعة. يجب ألا تكون هناك تحرّكات كثيرة في المدينة، لأنه يوم عطلة، فلا مدارس ولا جامعات ولا حتى أسواق، إلا أن هناك صوت ضجيج، وهناك تحرّكات كثيرة.

بعد القيام بالأعمال اليومية المعتادة في يوم الجمعة، مضى نصف النهار. سيكون الخطاب في الساعة السابعة من مساء هذا اليوم في مجلس الأمن. الكل سيذهب إلى وسط البلد ليشارك في الاحتفال الذي سيقام، وسيحضر الخطاب هناك من خلال شاشات العرض التي أعدّت خصيصاً لهذا اليوم. الكل ذهب إلى هناك، الكبير والصغير والشيخ والعجوز والمرأة والفتاة؛ الكل، باستثنائي أنا. جميع إخوتي ذهبوا إلى الاحتفال، وذهبت والدتي لزيارة أحد الأقارب. طلبت مني أن أجهز نفسي لأذهب معها، لكنّي فضلت البقاء في البيت. قلت: ممتاز! بقيت وحدي. سأحضر الخطاب دون أن يشوّش عليّ أحد.

الساعة السادسة والنصف، أعددت الشاي، وجلست أمام التلفاز أنتظر الخطاب. أثناء الانتظار كنت أنظر إلى شريط الأخبار في أسفل الشاشة: المجلس الانتقالي الليبيّ يقصف كتائب القذافي. انفجار وسط بغداد. استشهاد شابّ فلسطيني على أحد الحواجز. وبين هذه الأخبار وتلك سرقني النوم وأغمضت جفنيّ.

وبدأت أحلم.

لم يكن حلماً عادياً، بل كان بشرى وعلامة. حلمت بأني ذاهبة إلى القدس مع والدتي للصلاة في المسجد الأقصى. وركبنا الحافلة التي كانت تنتظرنا في الموقف وأخذنا ننتظر باقي الركاب. امتلأت الحافلة بالركاب من مختلف الأعمار، ولا أحد يعرف ما مصير هذه الرحلة؟ هل ستنتهي بالدخول إلى القدس أم أن الاحتلال سيرجعنا؟

كان بين الركاب شابٌّ في العشرينيات من عمره، ومعه عجوز مصابة بالشلل، تجلس على كرسيّ متحرّك. الشاب يتحدث لأحد الركاب، يقول إن هذه العجوز والدته، وتريد أن ترى القدس لآخر مرة قبل أن تفارق الحياة. هذه أمنيتها وحلمها الأخير. والشاب لا يستطيع أن يرفض لهذه الأم طلبها، وجاء معها ليساعدها في تحقيق حلمها أن تصلي في المسجد الأقصى.

بعد أن سمعت قصة الشاب بدأت أنظر من النافذة إلى الخارج. شاهدت أشجاراً وشوارع وقرى ومدناً ومستوطنات. لا أخفي أنني لا أعرف أسماء معظم تلك الشوارع والقرى. وبالرغم من أن هناك لافتات مكتوبة عليها أسماء تلك الشوارع والقرى، إلا أن معظم تلك الأسماء كانت باللغة العبرية، وبخاصة تلك القرى والشوارع القريبة من الحواجز والمستوطنات الإسرائيلية. ولكني استمتعت بالنظر إليها.

مررنا عن حواجز كثيرة قبل مدينة القدس، ولكن المستغرب هو أنهم في جميعها جعلونا نمرّ بكل سهولة ودون مساءلة. وعندما اقتربنا من  مدينة القدس أوقفنا حاجز للجيش الإسرائيلي قام بإنزال جميع الركاب من الحافلة وأخذوا جميع الهويات. وبعد التفتيش الدقيق والوقوف تحت الشمس ما يقارب الساعتين، جاء جنديّ وقال لنا: غير مسموح بالدخول إلى المدينة. ارجعوا من حيث أتيتم!

ارتسمت ملامح الحزن واليأس على وجوه معظم الركاب، وحتى على وجهي أنا، وأصبنا بخيبة أمل كبيرة، ولكن سائق الحافلة، ممتلئ القامة، الجالس خلف مقود حافلته قال: "سندخل يعني سندخل"! وذهب من طريق آخر. أخذ عديداً من الساعات، وفي النهاية دخلنا مدينة القدس. على بواباتها يقف جنود الاحتلال الذين يقومون بتفتيش الداخلين والتدقيق في هوياتهم، وقد يسمحون بدخولهم، وقد لا يسمحون. البوابة التي سنمرّ منها مليئة بالناس، مليئة جداً. نظرت إلى أمي وقلت لها: اليوم لن ندخل أبدا للصلاة!

ردّت عليّ: قطعنا كلّ هذه المسافة، لن يحدث شيء لو انتظرنا قليلاً من الوقت للدخول.

دخل معظم الركاب الذين كانوا معنا، منهم من مرّ خلسة، ومنهم من مرّ دون مساءلة، ومنهم من كان كبيراً في العمر فأدخلوه.

بقي أمامنا الشاب ووالدته العجوز المقعدة. قال جندي الاحتلال للعجوز بعد أن أخذ هويتها وهوية ابنها ودقق فيهما: ختيار بفوت، بس ابنك لا.

بكت العجوز: كيف سأدخل وحدي وأنا عاجزة مقعدة؟ هذا ابني جاء ليساعدني. لم يأت ليحارب!

أصرّ الجندي ألا يدخل الشاب مع والدته. نظر الشاب إلى والدته فوجد عينيها باكيتين، فهي تريد أن تدخل للصلاة ولا تستطيع وحدها. إنها بحاجة لمن يساعدها. من شدّة غضبه، صفع الشابّ الجنديّ صفعة قوية أوقعته على الأرض،  فجاء جنود الاحتلال  ليأخذوه، وراحوا يضربونه بشدّة ودون رحمة أمام والدته العجوز، فأخذت الأم تصرخ بأعلى صوتها: ولدي ولدي ولدي! 

واستيقظت على صوت الرئيس في التلفاز وهو يقول: نحن هنا واقفون. نحن هنا قاعدون. نحن هنا دائمووووووووووووووووووووووووون! 

لم أحضر الخطاب من بدايته، ولكني فهمت ماذا يعني أن تكون لنا دولة مستقلة.

بعد الخطاب سقطت أمطار خفيفة على المدينة، وبالرغم من ذلك بقي الجميع وسط البلد للاحتفال.

وهكذا أيقنت بأن حلم الدولة أصبح حقيقة، وحقيقة واضحة، وتأكدت من أنه لن يطول الاحتلال في وطننا، ومن أن أسوار الظلم هذه سوف تزول يوماً مع طلوع فجر جديد، طالما كان هناك من يطالب بحقنا، ويدافع عن أرضنا.