جامعة القدس المفتوحة

عجوز في العشرينيات.. بقلم إسلام ثابت مبسلط- فرع طوباس

نشر بتاريخ: 12-09-2012

ما هذا؟ أين أنا؟ أنا بين جدران أربعة لا تتسع لأنفاسي. ولكن، آه نعم، لا لا، أشعر بأني إنسان ليس أنا. ماذا؟ ما هذا الهراء الذي أهذي به؟ من أنا؟

تلفتُّ حولي. ولماذا أتلفـَّت؟ وإذا بضحكة ساخرة تخنق أنفاسي. ماذا سأجد- إن تلفـَّت- غير حشرة تكابد هي الأخرى بصمت!

ومرَّ في ذهني شريط ذكريات أخذت، ذاكرتي تسترجعه رويدًا رويداً، كشريط تسجيل حقيقيّ، بعد إحساس بتعطـّل هذا الشريط، ولو جزئيًا. وأنـّى له يبقى صالحًا بعد الضربات القاسية التي تلقاها؟ ولكن صورةٌ واحدةٌ تأبى إلا أن تواريَ جثمانـَها برماد ذاكرتي، ليحتلّ طيفـُها مكانًا رئيسًا في هذه الذاكرة، أو شبه الذاكرة.

إنني أذكرها تمامًا، و كأن ذاكرتي صُمّمت على حجمها ومقاسها، فلم تعد تذكر سواها. تلك الصورة التي زرعت فيَّ معاني الإنسانية التي انعدمت أو كادت تنعدم في ذاتيَ السوداء.

ويأخذ الشريط يمرّ بسرعة خاطفة أولاً، ثم ما يلبث أن يهدأ ليعرض ما سجله بروية. وتسري في جسدي رعشة تهزّ أدقّ عضلاتي ومفاصلي.

كعادتي، كنت أتجوّل في مزرعتي الفسيحة، أتمتع بإحصاء أنفاسي وكأنّي قد عَدِمْتُ همّي، فلا همَّ عندي سوى هذه الطيور البلهاء التي تفسد ثماريَ الناضجة.

يا لشدةِ سذاجتي وغبائي. ما أشقاني. طيور!

وأنا غريقُ سذاجتي، إذا بامرأة تدخل المزرعة، تفسد عليَّ استجمامي. بدت كأنها لا تعرف أين تمضي. أخـَذَتْ تعبث بأطرافِ ورقِ الشجرِ وبتلاتِ الورد التي لامستْ أطرافَ أصابعِها، وكأنّ الورق هو الذي يفرض نفسه عليها ويدنو منها لتداعبه. توقـّفتْ هنيْهة، وكعادة أمثالي، تسلقتْ أناملي البندقية لتستقرّ على الزِّناد. انطلقت الرصاصة. أخطأتِ الهدف، وكأنها قد أبرمتْ اتفاقـًا، وأخذت عهدًا مع تلك المرأة بألاّ تمسَّها بأذى، مع أن المسافةُ بيني وبينها ليست كبيرة.

ما أشدّ حماقتي! لماذا أطلقتُ الرصاصة أصلاً؟ ربما يكون فعلاً لا إراديًا، فلا حرج! لكن المرأة لم تحرّك ساكنًا. أخذت أخطو بخطوات متثاقلة، وكأنّ شيئًا غريبًا يدفعني لهذه الخطوات. تسلّلَ صوت مفاجئ ليدخلَ أذنيّ: أنا إنسانة. اقتلني، هيا إن ِاستطعت!

دُهشتُ جدًا، بل اغتظت، إذْ لم تكلـِّف نفسها عناء الالتفات إليّ،  وكأنها تخاطبُ حجرًا أصمّ كالذي أمامها. وفاقمَ غيظي رنين صوتها الرقيق الحازم في آن.

قطع دهشتي إلى حين ما قامت به. أخرجت من شبه الحقيبة هُوِيَّتـَها وألقتها أرضًا. انحنيتُ بعد أنْ أخَذَتْ دهشتي محلَّها المعهودَ من جديد. أمسكتُ بالهُوِيَّة. الدهشة ما زالت، بل تفاقمت. إنها في العشرينيات من العمر. ووجهها يحكي الكثير الكثير. الخنادق بدأت في شقِّ طريقها عليه، وكأنه عاش سنين طِوالا.

هَمَسَتْ: اشتريتُ فرحتي من سوق السعادة. أنجبتُ طفلاً. ما كان له ذنبٌ إلا أنه كالبدر حُسْنًا. مزّقتْ جسدَه الصغيرَ رصاصةُ الاحتلالِ الغادرة.

والـْتـَحَفَ صوتـُها بحشرجةٍ، ليقوى رنينُه في أذنيّ، وكأنَّه أحَسَّ بما يهزُّ طبلتيْهما وخَبِرَه، فأخَذ يتدرَّجُ في سَكْبِ جُرَعته-عليهما- شيئًا فشيئًا، ويقويها خـَشيَة أنْ تأخذا مناعة.

تابعتْ تسديدَ طـَعناتِها، هامسةًً أيضًا: قبل أن يعلمَ أنه جاء إلى الدنيا يتيمًا، أطلَّ على دنياه البشعة بوجه بشوش، قتل حتى غريزة البكاءِ التي جُبِـِلَ عليها كلَّ صغير. وَيْحَ قلبي! أرادَ أنْ يختزِلَ سنينَ طفولته لأقصى حد، أن يعيشَ جمالـَها اللحظة بلحْظـَتِها، فما له ببكاء يسْـلـُبْه جمال اللحظات؟ ليتني أوهَبُ فلسفته- التي وُهِب- في هذه الحياة، فأتنصّلُ من دمعيَ الحارّ. أم أنـَّه أوْدَعَني غريزته، فلا مناص في الحالين!  وشاء القـَدَرُ ألاّ يكونَ حالُه بأحسن حالا من حال والده.

اشتريتُ سعادتي بثمَنٍ بخس. بل بلا ثمَن. لأبيعها بأبهظِ الأثمان.

أحسستُ ? حينها- بوخـْزاتٍ تغزو جسدي. ألم تجـِدْ سِواي كي تبثَّه همَّها! ألهذا الحدّ تكبرُ في أيام وسُويْعات قلائل؟ ثمّ لماذا أضعفُ هكذا، وكأني ذلك النبيل المفعمُ بأسمى معاني الإنسانية؟

ضحِكتْ ضحكة ًبدت كأنها تخنقها منذ زمن، تضارعُها تلك التي خنقتني آنفًا. حين بدأتْ ذاكرتي تجوبُ آفاق الخيال الموحش. إلى أن ارتـَمَتْ وردةٌ أمامَها، فانحنت لتلتقِطـَها وتعودَ من حيث جاءت متجاهلة وجودي. ودون أن تلتفتَ إليّ. كأنها لا تريد الالتفات إلى حشرة.

نعم حشرة.

لقد انتابني الشعور ذاته من قبل. الآن عرفت لماذا استسخفتُ نفسي حين تلفّتّ حولي وأنا بين هذه الجدران الأربعة.  ولكن الحشرة التي بجانبي لم تفعل شيئًا! أيُعقل أن تكون قد جاءت لتميتـَني لتحيا! أنا ما انحنيت إلا لأحملَ سنواتٍ مثقلة ً بالشقاء في ثوانٍ معدودة، أما هي، فما انحنت إلا لتحملَ الحياةَ التي ابتسمت لها للتـَّوّ، لتسدّ الخنادق التي شـٌقـَّت بسرعة. لتحيي الأمل رغم الألم.

لن أذكرَ سوى وجهٍ جميلٍ صفعَه الدهر. أما بالنسبة إليها، فستملأ حياتـَها صورةُ طفلِها المشرقة ُ أبدًا. طفلُها سعيدٌ ولا ريْب.

وتداعى صوتٌ قادم من بعيد: سيدي سيدي، أين أنت؟

همسْتُ في نفسي: لا أريد الخروج. أتريدُ أن تخرجَني من موت إلى حياة، أم من حياة إلى موت، أم من موتٍ إلى موت؟   

سجّانْ.. سجّانٌ يسجـِن أول مَنْ يسجـِن..

 نفســَه...