جامعة القدس المفتوحة

رحلة مستقبلية إلى الماضي.. بقلم الطالبة جيهان محمد الزير- فرع دورا

نشر بتاريخ: 12-09-2012

بكل شوق يحدوه الأمل في عالم جديد، انطلقت مركبتنا تخترق الآفاق، تمخر عباب السماء إلى عالم رحب جديد، مليء بالمغامرات والدهشة، وفي جوّ تلفه كبرياء العلم الإنساني، ها نحن نواصل المشوار في رحلتنا الفضائية الأولى إلى ذلك الكوكب اللامع الذي نعتقد أنه مأهول بالسكان، مجرّد اعتقاد لا يمنعنا من اكتشاف الحقيقة؛ فبعد عديد من التجارب والصور التي أرسلت من الأقمار الصناعية، والمركبات غير المأهولة يتوقع أنه توجد آثار لحضارة قائمة على ذلك الكوكب البعيد.

إننا ننطلق في هذا الصباح غير العادي من ???? ميلادي، حاملين آمال أهل الأرض في التعرّف إلى أناس، أو لنقل مخلوقات جديدة في عالم الكون الواسع.

سرنا، والأيام والشهور تتوالى ثقيلة إلى عالم المجهول. رحلتنا قاربت على إكمال نصف السنة. كم أشعر بالملل والكآبة، فهذه النوافذ لا تتغير مناظرها: عتمة وأنوار بعيدة بعيدة.

كلّ هذه المشقة والعناء يهون لحظة اللقاء، لقاء ذلك العالم الآخر، لقاء ذلك المجهول. مضت الساعات والدقائق رتيبة وأنا غارقة في أفكاري، لم يقطع روتينها سوى إعلان قائدنا عن مفاجأة اقتراب الوصول. يا للهول! الوصول! إنها خطوة صغيرة للإنسان، لكنّها قفزة عملاقة للبشرية! ففي لحظات من السموّ الشعوري، وخوض اللامعقول، ها نحن نقترب من أجواء ذلك الكوكب.ها أنا أرى بعض ملامح ما يواجهنا. إننا نقترب وقلبي يكاد يطير من شدة اللهفة، لأرى سكان هذا المكان الغريب: فهل تحقق حلم أهل الأرض في الاتصال بعالم آخر؟

وسط هذه المشاعر المتدفقة بدأت مركبتنا هبوطها شيئاً فشيئاً وقلبي يهبط معها من شدة الخوف. إننا نقترب من هذه المعجزة. يا لروعة هذا الجمال! نحن الآن، وقد أكملنا إجراءات الهبوط، نستعدّ لمغادرة تلك المركبة التي احتضنتنا سبعة أشهر إلا عشرة أيام سيراً بالسرعة الفضائية، كما تحتضن الأم جنينها في أحشائها، لا يمسّه سوء. زملائي أكملوا استعدادات الخروج، وأنا لشدة لهفتي أتقدّمهم بكل تفاؤل وحبّ لاكتشاف المجهول!

ها نحن نخرج الآن. يا إلهي! يا للجمال! إننا ندوس بأقدامنا أرض الكوكب المجهول، حاملين على أجسامنا معداتنا لتبقينا على قيد الحياة. لكن انظروا حولكم: لا وجود لأحد هنا، بل لا أرى أية آثار سوى ذلك العمران. دماغي سيتفجر من كثرة التساؤلات. أين الناس، أو أين السكان؟ أهم بشر مثلنا أم مخلوقات أخرى؟ ربما متوحشون، أو ربما مختلفون. صوت مدير البحث الكيميائي يوقظني من تساؤلاتي ببشرى تنبئني بنجاحات متتالية، إذ يمكننا إزالة أجهزة التنفس، فهذا الكوكب فيه كمية تقارب كمية الأكسجين، بل ومكونات الهواء نفسها للأرض، لا بأس بذلك. بشرى رائعة، ولكن ماذا أيضاً؟ جوٌّ كجوّ الأرض، يعني إزالة بدلة المحافظة على الضغط والتزوّد بالسوائل.

يا الله! هل أنا أحلم؟ إني أشعر وكأني على كوكبي الأرضي! يسألني زملائي عن سرّ استغرابي جوّ هذا المكان، فقد كنّا نتوقع مثل هذا الجو، وإلا ما غامرنا بأرواحنا وجئنا إلى هنا. ما بك أيتها الرفيقة المندهشة؟ ماذا أصابك؟ يسألونني، فلا أكاد أتكلم أو انبس ببنت شفه! يا لهول ما أرى! هذه الشجرة تشبه تلك التي كانت بجانب بيتنا، الذي يقبع على قمة تلك التلة الأرضية، إنها تشبه تلك الشجرة التي طالما تمرجحت بها وأنا في شقاوة الصبا.

رباه! ثبت لي قلبي حتى لا أموت من الصدمة، ولا أرى ما يجري هنا. صدقوني إنه ذاك المكان نفسه الذي كنت أعيش فيه. ذلك البيت يشبه بيتي. لا تندهشوا، فأنا من جزء يقع على شفا بحر واسع الأرجاء. أنا من الأرض المقدّسة كما تعلمون. وهذه التلة من تلالها، وذاك هو بيتي. يبدو لي أنكم لم تزوروا بلدي، ولكن هنا سوف تزورونها، هكذا يبدو لي!

تقدّموا معي: إن كل شيء ينطق هنا على هذا الكوكب ليقول إنه وطني، ولكن لحظة! سكان هذه البلاد الفضائية أين هم؟ ما هذا! إنها طفلة جميلة، ولكن ماذا تفعل هنا؟ إنها تقترب، وكأني رأيتها منذ زمن بعيد. إنها أوّل من ظهر من سكان هذا الكوكب الغامض. ها هي ترتدي ثوباً أزرق اللون وكأني أعرفه نعم المعرفة. إنه يشبه ذلك الثوب الذي أتذكّره لأن أمي اشترته لي قبل مماتها. هو نفسه! أعرف تفاصيله! أنت أيتها الصغيرة: أنا أناديك هل تسمعينني؟ تعالي (أشير إليها بالاقتراب) يا للقدر! إنها تسمعني، وتأتي تمشي بطفولة شقية: من أين أنت أيتها الصغيرة، وماذا تفعلين هنا؟! تجيب (...) ماذا؟! وتتكلّمين لغتي أيضاً! وتعيشين هنا في هذا المكان! زملائي يستمعون والذهول يعقل ألسنتهم! هذه الطفلة تحمل اسمي نفسه، وتفاصيل حياتي نفسها، فأكاد أقول إنها أنا! ولكن ماذا! إنها تصغرني بأعوام. آه، ويحي، إنها طفولتي!

ما هذا الكوكب يا إلهي؟!إنه كوكبي الأرض نفسه، النشأة نفسها، التاريخ والأحداث نفسها بل الرسل والأنبياء أنفسهم، الأشخاص أنفسهم، أهو نسخة فضائية لعالمنا الأرضي أم ماذا؟ هذا الكوكب ليس إلا صورة شفافة لكوكبنا الأرض. إنها معجزة حقاً، وإنها صدمة أيضاً أن أعرف أنّ أم تلك الصغيرة ماتت قبل بضعة أيام فقط. قلت في نفسي: لو أنني تقدّمت قليلاً لرأيتها، لرأيت أمي مرة أخرى! ولكن نسختها الأرضية توفيت، رحلت قبل عشر سنوات، ونسختها الفضائية رحلت قبل أسبوع. لن أراها ثانية! يا لهول مفاجآت هذا القدر! أكل هذا يحدث أثناء زيارة لهذا الكوكب؟

زملائي لم يصدقوا ما يحدث، أو لنقل إنهم قرّروا الذهاب ليبحثوا أو ليثبتوا دليلاً يقرب الحقيقة لأذهانهم. سافروا ليبحثوا عن نسخهم الفضائية، عن طفولتهم الجميلة، إلى قارات أخرى على هذا الكوكب؟ ليستعيدوا طفولتهم التي يعزّ عليهم فراقها.

بقيت مسمّرة مكاني لا أستوعب تلك الأحداث، أو ما يجري من حولي، أِشك في أنني أحلم، ولكن هذه هي الحقيقة، فهل أخبر تلك الطفلة من أنا، أو ما هي حقيقة مستقبلها، أم أتركها تعيشه لوحدها؟ أترك للقدر شأنه، وأعود إلى نفسي أحاول لملمتها بعدما تبعثرت كزجاج مكسور، كلّ قطعة منه تحمل جزءاً من الحقيقة التي أحاول استعادتها. شريط طفولتي يدور في عقلي. أشعر فعلاً بأنني على وشك الجنون.

أوه مهلاً، توقفي ( قلت لنفسي) إنني أريد العودة إلى وطني، إلى حياتي الجديدة. إني أحب المستقبل، ويكفي ما كان من رحلة الماضي!

استيقظي، هيا استيقظي!

تهزّني بعنف. ما بك تصرخين وتبكين؟! لقد خفت عليك كثيراً. لم أرك هكذا من قبل.

إنها زميلتي توقظني لنبدأ نهاراً جديداً في مسلسل الحياة الممتع.

ماذا؟ هل أنا على الأرض؟ هل كنت أحلم؟

أفرك عينيّ. أستطلع أجواء الغرفة. أنا هنا على الأرض. الحمد لله أني لم أغادرها. الشمس المشرقة، والعصافير المغردة، والفراشات التي تتمايل منتشية على أزهار حديقتي، كلّ هذا يؤكد لي أني هنا، في غرفتي على الأرض. لا مقارنة بين هذا وأجواء تلك المركبة الغريبة وذلك الكوكب العجيب!

قلت في نفسي: سأفتح التلفاز لأسترجع نفسي، لعلي أستطيع نسيان ذلك الحلم.

ماذا؟ إعلان عن رحلة إلى كواكب بعيدة، يريدون متطوّعين!