جامعة القدس المفتوحة

أجزاء قلبي تحت المطر.. بقلم الطالبة رجاء صلاح أبو صلاح- فرع طوباس

نشر بتاريخ: 12-09-2012

 حينما طرقت الشمس الدافئة عينيه لتفتح لهما نافذة على يوم جديد، قطّب جبينه لحظة، ثم عاد ليفرده كصفحة ماء، انتظر هنيهة، ثم نهض من سريره متجهاً نحو صنبور الماء المتدلّي على الجدار الخلفيّ لبيته المتهرئ. فتح الصنبور ليغسل وجهه إيذاناً ببدء النهار الطويل، قطرة قطرة، ثم زمجر الصنبور ألا ماء فيَّ فاتركني وشأني. قطّب جبينه من جديد. أغلق الصنبور الفقير. ابتسم ومضى ليجعل مهمة غسل وجهه واجباً مفروضا على خيوط الشمس ذاتها التي أيقظته.

الساعة الآن السابعة وعشر دقائق. لم ينتبه إلى أن عقارب الساعة تلتهم الوقت. استلّ نفسه من المنزل بعدما ألقى نظرة على إخوته وأولاده: كانوا -كعادتهم- ملتصقين ببعضهم على الفراش الملقى في الجانب الآخر من الغرفة الواسعة الضيّقة، ليس من الحداثة في شيء أن تختلط أحاسيسه حين يراهم بين نظرات الوداع الأخيرة وتحية الصباح.

في الجهة اليمنى من المسمّى مجازاً "منزلاً" سيارة مركونة، لونها أحمر معفر. قفز إليها منتشيا. ربّت عليها وقال: "أوه صديقتي، تبدين وقد أخذت قسطاً جيّداً من الراحة، أنت دائماً والوجهة مختلفة، هيا بنا".

اقتاد سيارته نحو مكتب الارتباط في المدينة المجاورة. أوقفها وترجّل داخلاً. وضع أوراقه على الطاولة ثم قال: صباح الخير.

الخير! من أين يأتي الخير؟

تفاءلوا به تجدوه.

(باستهزاء) إن شاء الله

أود أن استصدر تصريحا للعمل في إسرائيل.

صعب. الأوضاع هذه الأيام صعبة. كثيرون يريدون ذلك، وهم لا يسمحون إلا بالقليل.

لكنّ أوراقي جاهزة ومعي فاتورة ضريبية، وعمري فوق الخامسة والأربعين، ومتزوج ولديّ أطفال!

على أية حال، راجعنا بعد أسبوع،  لكن لا تأمل الكثير.

حسنا، إلى اللقاء.

مضى بسيارته ذات الشخير المزعج المتواصل عائداً إلى بلدته لا إلى بيته، واستقرت به في  نهاية البلدة. أوقفها مجددا ونظر إلى السماء: ثمة غيمة كبيرة في كبدها، أمعن النظر فيها علها تسقط عملا يدرّ أجراً ولو بسيطاً يعينه على نوائب دهره.

ها هو يراها تسقط أكواماً من التراب الأبيض الناعم والحجارة البيضاء الصغيرة والطوب الرماديّ المتوسط. هناك عمارة على وشك البدء في بنائها، لكن في مخيلته هو. أيام وأيام من العمل والعمل والعمل، ولا مجال ليستبد القلق من المجهول بساعات النهار الطويلة، أو حتى أحلام الليل الوردية. غرق في أكوام الإسمنت، لتنتشله قفزة قطّ على الحاوية المجاورة. قفز هو الآخر من خيالاته و صاح: "ها... الخردة"!

لكن من أين يأتي بالخردة؟ من الممكن أن يقدّم له "أبو محمد"، جاره البعيد، بعض المعونة في هذا. لقد سمعه مرة يتكلم عن ذلك مع أخيه.

طرق الباب فردت زوجته بنبرة حادّة: من هناك؟

أبو سعيد يا أختي، أبو محمد موجود؟

لا، ولن يكون موجوداً حتى أذان العشاء.

أخبريه أنني أودّ رؤيته في أسرع وقت.

حسنا، سأخبره.

كانت حادّة جدّا في كلامها، ولكنها أغلقت الباب بهدوء شدّ انتباهه.

المهم أن لا عمل الآن، ماذا سيفعل؟ يذهب إلى النوم طبعا!

ذهب إلى بيته ذي الباب الوهمي الشاخص للطارقين والمرحّب بالمارّين على اختلافهم، تركله الريح إن عصفت، وترعشه قبلات المطر الساخرة، لتترك الحالتان عليه بصمة مميزة تشبه اصفرار أوراق الخريف الساقطة، تحت تأثير نفَس الحياة الخفيف.

ما زال سعيد مستلقياً على فراشه. هو ليس نائماً الآن، لكنه كعادته شارد الذهن، يحدّق في السقف. نظر أبو سعيد إلى السقف أيضا فلم يجد شيئاً مثيراً للانتباه. قال له: "إلى أين وصلت اليوم يا بني؟"

لم يجب، إنما اغرورقت عيناه بالدمع وأدار وجهه يمنة قليلاً، فأدرك أبوه أنه على حاله لا يزال. استلقى إلى جانبه. أدخل يده تحت رقبته وضمّه إليه. كانت شهقة سعيد سكّيناً مضى إلى قلبه، وطعنه بقوة. لم يستطع حبس حزنه الذي ظهر في نبرة صوته:

ألم تجد عملا اليوم؟!

بحثت في المزارع المجاورة، حتى في المحجر البعيد عن قريتنا، ولم أجد.

أعلم ألا أحد يستحقّ أن يكون طبيباً أكثر منك. لا تيأس. صحيح أنني بالكاد أستطيع تأمين بعض حاجاتنا الأساسية، لكن قد تتحلحل أمورنا في المستقبل القريب.

كل منهما الآن غارق في صمته وأحلامه حتى استرق النوم أبا سعيد وهرب به.

 حتى المساء القادم، بخطوات اللهفة والترقب، انتظر أبو سعيد قدوم جاره. الليلة اليوم حالكة على غير عادتها. ظلمة رهيبة في وسطها قمر محمرّ يزداد احمراره مع ازدياد منسوب التأوّه والترقب في مخيلة أبي سعيد. شعر بأنه ينظر إلى قلبه تحرقه عقارب الساعة التي بالكاد تنتشل أقدامها مع حاشية من القيود التي تكبّل حركتها حتى يختبئ القلب خوفا وراء الجبل، أو ينتثر رمادا في الوادي.

برغم حلكة الليل الشديد، تمكن أبو سعيد الذي تسمَر خلف نافذته من رؤية "أبي محمد"، فاستوقفه مناديا، وخرج إليه تدفعه لهفته بخطوات متلعثمة لا واعية. صافحه وسأله عن حاله وعن عمله، ثم كاشفه برغبته وحاجته الملحّة لأي عمل، وعرض عليه أن يعمل معه في جمع الخردة.

قبل أن يوافق "أبو محمد" أوضح له أن هذا العمل غير متوافر دائما، وأوضح مخاطره وهي الأهم: قد يذهب أحدنا إلى هذا العمل من أجل مال، فلا يعود بمال، بل يعود محمولا على أكتاف زملائه.

مهما تكن ظروف العمل سيئة، فلن تكون أسوأ مما هي عليه الآن.

صافحه مودّعا بعد أن اتفقا غلى اللقاء في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي عند آخر الشارع. وقبل أن يذهب ذكره بأن يأتي وحده.

عاد أبو سعيد إلى بيته منتشيا وكأنه وجد ضالّته التي شقي في بحثه عنها.

وبعد أيام من العمل توافر في جيبه مبلغ من المال أغراه بأن يستغرق في تفكيره أكثر، ليطلب من ابنه مرافقته في العمل، لأن أحد العمال سيتغيب لفترة من الوقت.

تسلّلا من البيت إلى الشارع المبلل بالبرد والمطر ليلتحقا بسيارة أبي محمد. ركب أبو سعيد وأركب ابنه إلى جانبه وأغلق الباب، وأغلق قلبه على قلق كبير، فهو لا يدري أحمل ابنه إلى خيره أم إلى نعشه. ظلت هذه الأفكار تساوره كلّما نظر إلى وجه سعيد أو أحسّ بكتفه تلتحم بكتفه.

توقفت السيارة معلنة الوصول، آمرة بالنزول، فانتشروا يطوقون أكوام الحديد والخردة، لكن أبا سعيد أبقى ابنه إلى جانبه حيثما توجّه. كان صيد العمال ثميناً هذه المرة، فجمعوا ضعف ما يحملونه في كل مرة، واضطروا إلى نقل البضاعة على مرحلتين. توجّه باقي العمال في المرحلة الأولى ليبقى سعيد وأبوه حول ما تبقى من الخردة المجموعة. نال التعب من أبي سعيد ليسلم نفسه للراحة قليلا، أما سعيد فدفعه فضوله لاستكشاف المكان من حوله، فأخذ يتجوّل في المكان باحثا عما لا يعلم. وفي جانب هناك رأى شيئا غريبا تأمله من بعيد ثمّ اقترب منه، ولكن خطواته لم تصل. علا صوت في المكان وتطاير كلّ شيء حتى عقل أبي سعيد الذي أخذه هول الصدمة كأن القيامة قامت من حوله، ففزع يركض في المكان جيئة وذهابا، باحثا عن سعيد خلف كلّ شيء وتحت كلّ شيء، يحاول الصراخ لكنّ صوته انحبس في جوفه، وأعاد إلى نفسه أنفاسه وإلى قلبه دقاته صراخ تسلّل من حيث لا يدري: أبي... أبي!

اقترب من مكان الصوت عارياً إحساسه من أيّ شعور بالموجودات. ارتدى ثياب الخوف والصمت، حتى إنه لم يدرك كيف اختلط عرقه المتصبّب من جسده بعرق السماء المنسكب على جسد الأرض، ليتحسس وجهاً فيه فم فاغر، وجسماً فيه قلب لا يقوى على التوقف. شرارة السماء أعطته ضوءا ليرى الأحمر فقط. مع اللاشعور حمل ابنه، ومضت به خطواته ليوقفها ضوء سيارة قادمة من البعيد. رباه، أتكون سيارة الإسعاف؟ أأقدر أن أشير لها بالتوقف؟ أين أضعه؟ لو أن لديّ فأساً كبيرة الآن أشقّ بها صدري فأخبئه ليضمد قلبي جرحه، أو أنني أقوى على الاستيقاظ على فجر جديد أقبَل عتباته هانئا بسلامة سعيد.

يا إلهي، ماذا لو كانت سيارة مستوطنين، أو أنها ناقلة جنود؟ أتخبئني تلك الشجرة في أحضانها؟! شرارة السماء جاءت في وقتها لتمنحه القدرة على أن يرى عبارة "القدس ـ بيت لحم" على زجاج السيارة المارّة. إذن فهي سيارة عمومية لعرب. صرخ. ماذا قال؟ هو لا يعي ذلك، لكنّ السيارة توقفت وأقلّته هو وابنه. حاجز عسكريّ في الطريق المقصود، فلا بدّ من المرور بطريق التفافي كي يصل إلى أي مركز صحيّ ليعالج ولده.

أرخى ظهره على الكرسيّ متنهّداً وصوت الانفجار ما زال في رأسه، ورائحة الدم تتدفق في أنفه لتفسد عليه رائحة المطر. نزل من السيارة على باب مستوصف القرية. كان سعيد قد أسلم نفسه لغيبوبة تظاهرت بالموت، وخطوات أبيه المثقلة بالندم تتسارع لتمسك بالمتبقّي من حياة ولده الهاربة، وأصوات اثنين يتصايحان من خلفه: بسرعة، بسرعة، إسعاف.

وضع ابنه المنهك على السرير. أدرك حينها أنه حينما لملم ولده المصاب نسي في الخلاء ساقه وأتى دون أن يصطحبها. برز سؤال يحيّر ذاته: هل اختصرت روحه طريقها وتسلقت حبات المطر نحو السماء؟!

الليل الموغل في هجومه، وزخّات المطر التي تتساقط على الصفيح الذي يغطي ناحية صغيرة من فناء المنزل اصطحبا معهما ريح الخوف ونذير الشؤم، لتبقى أم سعيد في منزلها مترقبة قدوم زوجها وولدها. كان شعورها مختلفا عن سائر أيام حياتها، مع أنها تعرف أن المخاوف هي ذاتها في كلّ يوم. مضى الليل حاملا ثوانيه الطويلة ليأتي الصباح  والخوف و الترقّب في ازدياد.

روح أبي سعيد التي كانت نتفاً، كلّ واحدة منها في زاوية عمياء من زوايا فكره، أصبحت كلا مجتمعاً بمجرّد أن أفاق سعيد من غيبوبته. جراحه التي فقد معها كثيراً من الدم أوقفت دفقها الآن، أما حالته فقد كانت تستدعي نقله إلى مركز صحيّ متخصّص، أو مستشفى متطوّر.

من وسط ركام الأوهام التي عاشتها أم سعيد في يوم كان أطول من عمرها كلّه، انفجرت الحقيقة المدويّة كانفجار اللغم في جسد سعيد. أثر الصدمة الواضح في تعابير وجهها أسكت كلماتها، وباتت مستعدة لأي عمل يساعد في الإبقاء على حياة ولدها.

انتظر أبو سعيد ثلاثة أيام كي يحصل على تصريح يسمح له بالدخول إلى مدينة القدس لعلاج ابنه. فجاءته أخبار لا تسرّه أبدا: حصل على تصريح لدخول ابنه، بينما هو "مرفوض أمنيا". ساعات وساعات وهذه العبارة تجول في فكره وتنبثق من لسانه. دخل على زوجته التي كانت تسقي ابنها إناء ساخناً من المرق. لم تستطع أن تستنطق ملامحه كعادتها.

أم سعيد، اتبعيني.

دخلا الغرفة الأخرى، نظرت إليه وقالت: التصريح؟!

حصّلنا تصريحا لسعيد، أما أنا....

ماذا؟

ردّ بصوت خفيض:

ممنوع أمنياً!

والآن؟؟

لا أدري، أمامنا يومان، يومان فقط.

أقبل الليل مسرعا، وظلّ النوم مجافيا، وكلٌّ جنَح إلى فراشه هرباً من البرد القارس، وأيضا من النظرات والأسئلة المسمومتين بالحيرة و الخوف. فجأة قالت أم سعيد بصوت عال: أنا!

ماذا أنتِ؟

أنا أذهب معه.

وأنا؟!

لن يسمح لكَ بالدخول.

أنا أخاف.

منذ عشرين عاماً وأنا زوجك، فلتثق بي.

لا ثقة تضاهي ثقتي بكِ، لكنني أخشى أن تصابا بمكروه.

لن يحصل أسوأ من هذا!

بعد مضي يومين، دقت الساعة الخامسة صباحا، وأزفت الدقائق المرتقبة. حزمت أم سعيد ما يلزمها واستعدت للذهاب.

الشمس التي لم تطلّ على ذلك المنزل بعد، لم تكن قد غادرت أفق أبي سعيد منذ ثلاثة أيام. شعر بأن سيارة الإسعاف أقلت أشلاء قلبه. حزنه لذهابهما كان مساوياً لسعادته بميلاد أمل جديد في حياة، ربما تكون أفضل لولده، وهو مكافئ لخوفه من دويَ جديد، فهو متيقن من أنه لن يستوعب المزيد من الصدمات.

أراد أن يودعهما، لكن كفيه العريضتين أخذتا في الاضمحلال خجلاً، ونَفَسه المتسارع أنهك دقات قلبه، والسيارة الآخذة في المضيّ ابتلعها خط الأفق.

جلست إلى جانبه على السرير البالي، أحست وجهه بحنو الزوجة الدافئ، ملابسها البيضاء الناصعة أثارت إعجابه، أخذت منديلها من رف خزانتها وذهبت من بياضها إلى بياض النور القادم من شقّ الباب. لم تكترث لنداءاته. نظرت إليه مبتسمة. مدّت يدها برفق، وسحبتها برفق ثم ذابت في النور.  فزع من نومه، تفقد منديلها فوجده  في مكانه: "آوه، لقد كان ذلك حلما"!

كان الليل على وشك الانتهاء. لفَّ سيجارته وأخذ يدخن، كان بوده لو يشكّل الدخان صورتها فيحيطها بالحب. أنهى سيجارته، لكن الدخان يأبى عليه ذلك، أشعل الثانية والثالثة، وحاله على حاله. أخذ علبة السجائر وسحقها بغضب، ثم عاد ليستلقي مجددا.

حينما طرقت الباب جارته أم أكرم ـ التي تكفلت بإعداد الطعام لأبناء أم سعيد حال ذهابها إلى القدس ـ نهض أبو سعيد من نومه. حيا جارته وشكرها على جهدها. أخذ منها وعاء الطعام ووضعه على الطاولة الصغيرة أمامه. كان جائعا جدا، لكنه لم يستطع تناول الطعام، فانتظر قدوم إخوته وأبنائه.

بعد تناول الطعام، جلست ابنته تقرأ قصة "رجال في الشمس". كانت الشمس تحاول النظر إليهم فمنعتها من ذلك سحب السماء السوداء المتراكبة. نسجت أفكار أبي سعيد خيوطها لتكون قصة عن ابنه وزوجه، ظنّ أن باستطاعته أن يسميها "أجزاء قلبي تحت المطر". حكايته اتسعت حتى غطت أفق السماء المترامية أطرافها إلى حين بزغت من قلبها أم سعيد في بياضها ذاته، لكنّها الآن تسند إليها سعيداً الذي قدم بساق واحدة وهو يرتدي ثياباً زرقاء صافية يعلوها ثوب الطبيب الأبيض الرائع.

انشرحت ابتسامة عريضة على وجهه مبتهجاً بقدومهما.

بابا بابا، حقا لماذا لم يطرق أحدهم جدار الخزان؟!

لأنهم كانوا خائفين.

لكنهم ماتوا جميعا!

ذاك قدرهم يا ابنتي.

عندئذ كانت الغيوم قد أطلقت سراح الشمس لتمنح للخضرة رونقها و نضارتها. خرج أبو سعيد من منزله. ساقته حيرته نحو سفح الجبل المطلّ على بيته. أخذ يتأمل العجوز ابن السبعين عاماً وقد مد الجبل يده ليرفعه على ظهره. كان العجوز يحمل زهرة الجلنار وينظر إليها بدفء وعمق، وينظر فيما حوله ثم يعود إليها، ينقل نظره بين أرضه مسلوبة والجلنار في يده. ها هو الآن في غمرة ما يجري حوله يشاهد مستقبله وأولاده نائيا مغمورا بالمجهولات، لكنه بوضوح صارخ يشاهد الجبل الذي يرفعه بكلتا يديه ليوصله إلى عنان السماء، والسهل الذي بسط جسده معلنا آيات الطاعة والولاء. وبين حاليه هذين لم يشعر إلا وقد انفجرت شاعرية وجدانه وعقله وروحه  فأنشد لنفسه و للأرض:

الأرضُ ملكي

كيفَ استجدي حقوقي ثم لا أعطى

ويمنَعني الجنودُ عن الحنين

أترى سأتركُ جنّتي خلفي

وأتركُ في ثناياها شجيراتِ الحروف

قصتي... وقصيدتي... وأنا

من ثمَّ أطفئُ بعد ذلك ناظري

وعلى الحدودِ...

أكونُ قد أنسيتُ كلّ غرامِها

التين، والزيتون،

والرمل المقدس في شواطئها

أترى سأمسحُ من سنيني كلّ تاريخي

وأصبحُ سطوة الحرمان في جسد

 تمشّى بين أكوام البشر

وأقولُ في نفسي مصيري إنه....

من ذا يقول بأنه

غلب القدر؟!