جامعة القدس المفتوحة

في منزل الشهداء.. بقلم الطالب عبد الفتاح جلال حجازي- فرع القدس

نشر بتاريخ: 12-09-2012

ما تزال طفلة، رغم جرح قديم غائر تركته على خدها الأيمن سَقطةٌ على حجارة، تسبب فيها جنديّ لصّ قبل ثلاثين عاماً وهو يكسر باب بستان بيتهم الخشبي العتيق، وبالرغم من شيء من تجاعيد صنعتها مخالب حياة شرسة. هي ما تزال طفلة، وما أزال أحبّ وجهها الذي نادراً ما أتمكّن من ملاحقة أسراره.

ألمحها في توقيت واحد يتكرّر كلّ يوم، تسير مارّة من بلدتنا الصغيرة بزيّ مختلف، ألمس فيه أسلوبا قديماً استثنائيّا في جماله.

كنت أرغب في أوقات كثيرة في أن أحدثها. إنّ غموض إنسان فيه جاذبية ما، كثيراً ما يقصي الناس عنه إجلالا أو رهبة، ومع ذلك، فحلمهم في الرغبة في الاقتراب لا يذبل، بل على العكس.

أخبارها لم تكن بعيدة، فقد كنت أحبّ الحديث مع أمّها، معلّمة الرسم في مدرستنا الإعدادية، التي لم تتوقّف عن العطاء، بالرغم من أمراض كثيرة، والتي لم تقطع صلتها بمن تقول إنهم أولادها. أمّها كانت تعتبرها موضوع حديث ممتع. إنّها موضوعها، تفخر بابنتها ولو بدا أيضاً بعض القلق في حديثها أحياناً عن وحدتها بعد أن تركها خطيبها قبل الزفاف بأيام. مما كانت تذكره لي عن ابنتها: تودّعني في الرابعة من كل يوم، قائلة: أريد أن أتنفس بعض الحرية"،  ثم تغادر، تعود وتخبرني قصتها: "قطفت في طريقي زنبقةً كانت مختنقة بين جذور ناتئة لشجرة، وأعدت زراعتها في حديقتي البعيدة". وفي مشوار آخر: "لمست ضوء القمر، غنّيت في غابتي القرمزية، ورقصت مع بشر أخذوا على عاتقهم صناعة البشر". تحدثني أيضا مع عودتها: "الفضاء هو مكان الحياة." وتغيب عني لتسافر من نافذتها عبر أشجار حديقة المنزل أو ربّما إلى حيث القمر. في كلّ يوم لها قصة، أقرب إلى أن تكون لغزا منها لأن تكون قصة.

لم يعد هناك مكان لحبس فضولي، وعشقي لـروح ترقص على أوتار سحرية لا حدود لصداها. قرّرت أن أطاردها لأكسر المجهول؛ لأكتشف حديقتها، مسرحها وبيتها.

في وقت مرورها المعتاد تبعتها. كنت أطارد خطواتها من بعيد. دخلتْ إلى أسوار حديقتها، ثم توجَهَت إلى غرسة صغيرة، فتحَتْ زجاجة الماء التي تحملها وسقتها. بعدها ذَهَبت إلى شجرة كان جذع منها قد قطع، تحسسته بأصابعها، تحوّلت الشجرة إلى صديق يشعر بيد صديق تمتد إلى جرحه، وبكيا معا، عانقت الشجرة لدقائق، وتركتها لتجلس على حافة صخرة. حينها قررت أن أقترب أكثر لأشاركها. أحببتها أكثر وشعرت بأنّها مصدر ملهم يمكنه أن يروي ظمئي، أن يحلّ لي لغزاً. أحببت أن أكتشف أسرارها، وربما أخطأت عندما بدأت كلماتي الأولى معها: "حديقتك هذه.. مقابر.."!

قاطعتني: "هنا مصنع الحياة، ولكنك أعمى وأصم".

كان ردّاً قاسيا، ولكن ملامحها لم تتغير في ردّها، ولم تخرج عن هدوئها المعتاد.

إنكِ تتحدثين عن الماضي، هنا يرقد أبطال نذكُرُهم ونحبّهم ونقدّر لهم دوراً عظيماً قدّموه، ولكنّهم انتهوا ورحلوا.

انتبه. أنت تتحدّث عن شهيد الحرية، حبيبي. صنع الحياة في الماضي بهدوء، واليوم يصنعها بصخب. اسمع! هل تسمع؟

بدأت مشاعر خيبة أمل تخدش قلبي: هذه التي تبعتها، تعيش في جنون هروب وخيالات. وقبل أن أقرّر العودة فاجأتني قدرتها على قراءة الأحرف التي خطت في عينيّ، بل أجابتني:

 لا. لا يجتاحني الجنون، وإنّما الحياة، لذا أبتعد كل يوم عن الموتى وآتي إلى حديقة الحياة، أعيش مع أحياء، أتحدّث مع كلّ ما هو حيّ بحنجرة أقوى، بلسان لا يتلعثم، وهو يصوغ عباراته لأشباه الأحياء. هؤلاء هم غرس الحرية، هم أمل الغد، وهم جسر الحياة الذي سوف تقطعه وأقطعه ربّما بتذكرتهم هم، وقد نتشرف يوما بأن نكون جزءاً من حجارة هذا الجسر العظيم. حديثي معهم مبعث حياتي، ولكن حياتي حديثا لها ألوان أخرى، فقد أخبروني أن الدنيا منهم حبلى بفيضان من الحرية، وفي شهرها التاسع تلد غدا. أنا سعيدة. أفكارك لا تعكر غبطتي.

نظرت إلى عينيها، ولا أذكر أنني رأيت شيئا غير فوضى لم أفهمها. سألتها وأنا حزين لحالها:

يتحدثون معك؟

حديثي مع حبيبي يتجاوز الكلمات إلى قصائد يخطّها بيديه نقوشاً يتركها على حجارة الحقل منحوتات. 

قاطعتها هذه المرة أنا: يخطّها؟!

 أخرجت من حقيبتها مجموعة من الأوراق البيضاء، وأعطتني إياها، قالت: اقرأ.

 أوراق فارغة من كلّ شيء. أعدتها إلى يديها وغيّر وجهي قبلته لتكون هناك دموع في عينيّ محبوسة بحكم العادة. انفطر لحالها قلبي، وفكّرت بألا أعود، وبأن أتراجع عن معرفتي بهذه الإنسانة.

ومرت سنين.

في بداية خريف، وأثناء عودة ابن الجيران، وهو في الرابعة عشرة من عمره، من المدرسة، استهدفته رصاصة أطلقت من خلف جدار مستوطنة قريبة مغروسة في البلدة التي أعيش فيها. حمل الجميع كفنه، وبعد أن تركه الأهل في مسكن الشهداء، وقبل أن أتبعهم إلى الخارج، لمحتها. إنها تسير بين القبور وكأنها ترقص، تضجّ الحجارة تحت وطأة حذائها، وتتناثر الأوراق الصفراء. وجهها لم يعد يخفي الابتسامة ويخفي الكشرة. أجد سعادة بادية على وجنتيها هذه المرة، وأسمع خفق قلبها الذي كان فوق ضجيج اهتزاز جسدها الهادر. يا لجمال الموسيقى التي تهتف بها، ولكن لغة الأغنية لا أفهمها. ذهبت أسألها بغير تلك الأنفاس السلبية التي طغت على حواري آخر مرة، رغم أن دقائق هي ما كان يفصلني عن وداع طفل إلى الأبد.

هل تثير حماستك زقزقات الطيور المهاجرة؟

لا، ولكن تأمّل: إنها تنشد أناشيد البقاء، فلم تعد هناك أيام تغادر فيها طيورنا.

أهو حفيف الأشجار إذن، وصوت ما تبقّى من الأوراق؟

كلا، فقد نامت الشجرات التي تقصدها. وهذه المرة نامت وهي تشعر بسلام لأوّل مرة.

ماذا إذن؟

أجابت باتزانها المعقد في بساطته:

تحسس الأرض. إنها تهتزّ وتهزّني معها. شهداء الحرية يهزّون الأرض بدبكتهم. إنهم بعناقهم ورقصهم ينثرون عطراً يشبه ذلك المنبعث من تلاقى عيدان الزعتر الغضة بالنسيم العليل. إنني أسمعها، أغنية لها مذاق خمرة الجنة، ولها جسد مثل جسد حبيبي، ولون أشبه بلون سماء هذا البلد. تحسس هذه الأغنية التي تغتسل من تحت جرس يقرع، رنينه يسمع في آذان العالم كلّه، الميت والحي. دقات الجرس الذي يسمعه العالم سمعته أنت. إنه: "فلسطين فلسطين فلسطين فلسطين فلسطين فلسطين!" ويعلو الصوت أكثر.

يبدو أنني لا أشاركك هذه الرومانسية، ولكنني أحبّ أحلامك. حدثيني.

صمتت، ونظرت إليّ. لمست كيف عكّر كلامي شيئا من ملامحها. لمست صفعة من يدها، وعندما عرفت أن هذه الصفعة خيال ليس واقعاً حقاً، توجّعت أكثر، فقد رأيت أنها جعلت من وجهي أرضا بوراً لا تستحقّ بذاراً، ولو كان على شكل صفعة تحرّك فيه شيئا تريده هي أن يتحرّك.

بعد دقائق من صمت إنسانة تأبى أن يعكّر وقتها وقت دخيل، قالت: هل أنت مؤمن بالشهداء؟

قلت من قلبي: نعم.

ابتسمت مجدّداً ولمست يدي، فتغيرت الأشياء. يد من تلك التي لمستني؟ لم أعرف. أهي يد طفلة في الرابعة؟ أم هي أمّ لا متناهية الحنان؟ أم يد شهيد رطبة بدمائه؟ أم يد فلاح صلبة من حرث وزرع استمرّ ألف ألف عام؟ أم هي يد محارب فلسطينيّ قديم؟ أم يد إلهة من آلهة الأرض؟ إنها يد تنبض فتهزّني. هبّت معها نسائم عليلة حرّكت الأشجار، ونزل من السماء شيء أشبه بحبّات المطر الأولى. رفعت رأسي، بحثت عن الغيوم فلم أجد السماء زرقاء. عدت بنظري إلى الحديقة، حيث يسكن الشهداء،. تحطمت طبيعة المكان الباردة. عرفت أنني كنت أعمى بعد أن فتحت عينيّ لأول مرة، وبعد أن أبصرت لأوّل مرة: المكان يفيض حياة. شهداء يرتدون ثياب واجبهم الأخير الذي لم ينقطع. دماؤهم ما زالت تروي تراباً ندياً رغم الخريف. بعضهم في حلقة تدبك فرحاً وطرباً. شاب يتحسس أحافير جذع زيتونة قديمة بابتسامة أمل، وأحدهم يخرج طيناً من ألوان شتّى، ويرسم لوحة عنوانها طويل: "ترابنا هو حقيقتنا وأزليتنا، وترابنا اليوم أطهر، ترابنا يبصر الحرية". وهناك شهيد يفتح كتاباً كُتب عليه "المستقبل"، وهناك طفل شهيد يكتب على جدار: "مرحباً موسم الحصاد".