جامعة القدس المفتوحة

ضيوف دائمون: بقلم الطالبة حنان عماوي

نشر بتاريخ: 31-07-2012

رأيتهم وقد رافقتهم العزلة.. وكللهم الحزن المدفون في ثنايا أجسادهم.. وبللتهم الدموع الممزوجة بذكريات الماضي وألم الواقع.. رأيتهم يتكئون على الجدران.. يعزفون بأناملهم سيمفونية القادم.
زهور جفَت.. لكن عبيرها ما زال يشتم ولمساتها الفنية في كل مكان.. رجال ونساء، لا بل آباء وأمهات.. بلغ بهم العمر مبلغا.. تعبوا وسهروا وضحوا وبذلوا الغالي والنفيس.. وصعدوا سلم المصاعب والمتاعب من أجل رفعة أبنائهم..
لكنهم.. وفي نهاية المطاف كان مصيرهم أن يحلوا ضيوفا دائمين في بيت المسنين ليتولى رعايتهم أناس أغراب عنهم..!
هناك قابلت الحاجة (س) لتحكي لنا حكايتها التي كان أساسها: "لا أريدها.. لا أريدها!".. عبارة رددها والدي عندما وضعتني أمي.. لكن القابلة بدأت تمدحني.. طفلة جميلة رائعة وسأسميها أنا (س). وتمضي الأيام.. وتكبر (س) في أحضان عائلتها الثرية طفلة مدللة منعمة.. لكن المصير شاء لها أن تعيش في دار الأيتام على الرغم من أن والدها كان على قيد الحياة.. لكن عدم وجود مدرسة إسلامية في المنطقة التي عاشت فيها في ذلك الوقت جعلهم يجبرون على وضعها في دار الأيتام.. ثم تسلم إلى والدها في عمر الثالثة عشرة.. ويبدأ الشباب بالتسابق لخطبتها.. ويتقدم لخطبتها كذلك شيخ طاعن في السن.. يبلغ من العمر سبعة وسبعين عاما.. هذا الشيخ لم ينجب أطفالاً من زوجته الأولى.. وهو الآن يريد أن يتزوج ليكون له ولد يحمل اسمه.. ويأبى والدها أن يزوجها إياه.. لكنه القدر..! الذي شاء لها أن تكون زوجة لذلك الشيخ مكرهة مجبرة. وتمضي السنون.. وتنجب ولدها الأكبر.. وتقرع الطبول فرحًا بمقدمه.. وتمتد شهرًا كاملاً.. وبعد سنوات أنجبت ولدها الثاني.. ثم يتوفى الزوج.. وتبدأ المعاناة..
تروي الحاجة قصتها بدموع حارقة.. وتقول: بدأت معاناة الأرملة في تربية أبنائها.. وتحدي المجتمع والبيئة القاتلة بكلامها الحاد.. ثم تتزوج بعد ذلك رجلاً آخر يحاول تعويضها شيئًا مما فاتها ويحن على أبنائها ويرعاهم..
تقول الحاجة: وعندما كبر ولدي شعرت أنه بحاجة للاستقرار، فبعت ذهبي وكل ما أملك.. وجمعت ما جمعت من النقود من أجله.. فاشتريت له أرضا وبنيت له بيتا.. مهملة ولدي الأصغر، ظنا مني أن أخاه سيحل محل والده.. وبعدها قرر أن يخطب وكانت عروسه باختياره.. وتزوجها. وهنا بدأت رحلة الرحيل.. في البداية كانت الكنة المسكينة الطيبة الحنونة.. ولكنها يومًا بعد يوم بدأت تكشر عن أنيابها وتظهر حقدها المخبأ بين ضلوعها.. فقد سمعتها ذات يوم تندب حظها وتشكو.. وتبكي لولدي قائلة له: لا أريدها..!! لا أريد أحدًا معي في بيتي.. أريد أن أشعر أن لي بيتًا مستقلاًّ. لا أريد أحدًا معي.. فصرخ في وجهها قائلا: إنها أمي.. أمي، وستبقى هنا.. أما أنت، فمن الغد لا أريد أن أراك هنا.. اذهبي لبيت أبيك.. وتكمل الحاجة قائلة: فصمت.. وانتظرت مجيء الصباح.. وعندما أفاق ولدي ناديته قائلة: أقدم يا حبيبي.. صبحك الله بالخير.. ثم قلت له: يا ولدي، أنا امرأة محبوبة والحمد لله.. ولي كثير من الأحباب والأصحاب.. كلهم مستعدون لاستقبالي في أي وقت.. أما زوجتك، فلها الحق فيما قالت.. فعجب وقال: أسمعتِ يا أمي..!!!! فقلت له نعم، سمعت.. فقررت الخروج من البيت، وظلمت معي بذلك وفي كل ما فعلت ولدي الأصغر.. الذي خرج يبحث مصيره الجديد.. وتكمل قائلة: قلت له: لا تخف علي. فقال: هو كذلك يا أمي..!!
فخرجت.. وأنا لم أتجاوز الأربعين من عمري.. أذهب.. إلى من..!! رباه رباه، أعنّي فأنت المعين..
وذهبت لجمعية خيرية للتدريب المهني عملت فيها وكان مبيتي فيها أيضًا.. وكنت آتي هنا لبيت المسنين كمدربة لهن على غزل الصوف.. ثم ها أنا الآن ضيفة دائمة هنا..!! لم يهن ذلك على ولدي الأصغر لكني أبيْت أن أعود معه.. وعشت هنا أسمع أخبار ولدي الكبير من الناس ومن أخيه الأصغر..
حيث نادرًا ما كان يزورني.. وفي يوم من الأيام، رن جرس الهاتف هنا، وكان المتصل من أقاربي يخبر أن ولدي مريض وفي حالة خطرة وعلي أن أذهب لأراه.. فأخبروني أنه تعرض لسكتة قلبية إثر تأثره على صدام.
سبحان الله.. يتأثر على صدام من لم يقدم له شيئًا في يوم من الأيام.. من لم يكن له شيئًا.. سبحان الله ما هان عليه ذلك القائد، وهانت عليه أمه من حملت به ورعته وربته وعانت من أجله.
وتضيف الحاجة قائلة: دخلت عليه في المشفى فرأيته مسجى على الفراش يودع الحياة.. نظرت إليه بحرقة.. وسارعت بخطواتي البطيئة نحوه.. ولدي..!! حبيبي..!! ليتني أنا..!! ليت المرض لي والموت لي يا فلذة كبدي.. فنظر إلي وتبسم حيث كان لا يقدر على الكلام.. أما زوجته، فقد كانت جالسة في الممر.. تنظر إلى هذه.. وتسلم على تلك.. وتنتقد فلانة.. وتسخر من علانة.. مهملة زوجها.. ويودع فلذة كبدي الحياة.. وكأنما روحي خرجت حينها.. ورجعت هنا أحمل آلاما جديدة.. وعندما سألتها: ماذا تقولين له الآن؟ قالت ودموعها تغمر وجنتيها: (الله يرضى عليه.. الله يرحمه ويجعل مأواه الجنة).
وتقول الحاجة: أما عن حياتي في هذا البيت، فإني أمكث فيه منذ ستة عشر عامًا.. في البداية لم أشعر أني غريبة.. أنسوني العالم الخارجي.. أنسوني أهلي وناسي.. لكن الآن..!! فيا بنيتي.. ولدي وفلذة كبدي هنت عليه.. فصمتت وقالت: (حسبي الله ونعم الوكيل).
 
* فرع جنين- تخصص اللغة الإنجليزية