جامعة القدس المفتوحة

تقرير حول ندوة أدبية بعنوان "محمود درويش مبدعا"

نشر بتاريخ: 07-03-2012

عنوان لافت حملته الندوة الثقافية المتخصصة التي نظمتها جامعة القدس المفتوحة بالتعاون مع مؤسسة محمود درويش للإبداع ، بتاريخ 17/12/2011 في قاعة ريم البوادي في محافظة طولكرم.
وقد استضافت الندوة لفيفا من نقاد فلسطين في الضفة وأراضي 48، قدم هؤلاء النقاد أوراقا نقدية تعد في نظر كثير من المشاركين من جديد النقد الذي تناول شعر درويش بالدراسة والتحليل.
افتتحت الندوة (المؤتمر) بتلاوة آيات من القرآن الكريم، أعقبت ذلك كلمة الجامعة التي ألقاها نيابة عن رئيس الجامعة الأستاذ فيصل عمر أكد فيها على جهود درويش في رسم ملامح الحياة الفلسطينية شعرا حتى توقف قلبه عن الخفقان، وأشار إلى أن اجتماع اليوم ما هو إلا تكريم لهذه القامة الشعرية وما جاء النقاد إلا كي يسرجوا قناديل أشعاره نورا وناراً.
أردفت هذه الكلمة كلمة مؤسسة محمود درويش للإبداع ألقاها رئيس المؤسسة عصام خوري وقد اقتصرت كلمته على ذكر مراحل حياة درويش كما عرفها منه مؤكدا أن درويش هو ابن بيئته.
تلقى الكلمة بعده محافظة طولكرم ألقاها جمال سعيد بالنيابة ومما قاله : إن فلسطين قد التصقت بفم الشاعر ، فكأنه يخاطب بشعره كل واحد فينا على اختلاف مشاربه.
وقائع الجلسة الأولى
قدم الجلسة الدكتور محمد جواد النوري حيث رحب بالناقد الأول الدكتور محمد حمزة من جامعة حيفا وجاءت ورقته بعنوان " تجليات القصيدة في شعر درويش" تحدث عن مفهوم القصيدة بوصفه مصطلحا نقديا جديدا معادلا لمفهوم "ميتا شعر " وطرح أسئلة عدة تفكك المصطلح من مثل : ماذا يريد الشاعر من قصيدته ؟ وماذا تريد القصيدة من الشاعر ؟ هل تشرح القصيدة نفسها ؟هل يمكن نقد القصيدة من شاعرها الحقيقي أو الضمني "السارد في القصيدة ".أورد الدكتور حمزة مقولة لمحمود درويش في حواراته مع الناقد عبده وازن حينما سأله عن عدم كتابة رأيه في الشعر أجاب : لأني لا أضع نفسي في إطار نظري أريد أن أهرب منه ".جاءت الورقة في محورين":
الأول: طقوس الكتابة عند الشاعر وكيف تتخلق القصيدة ؟ استشهد الناقد للتدليل على طقوس الكتابة عند درويش بعدة مقاطع شعرية منها مثل :
"تمضي إلى موعدك الصباحي ، فنجان القهوة على اليسار ، وعلبة الأقلام على اليمين ، في الوسط أوراق بيضاء " وغير ذلك من نصوص شعرية ...
الثاني: وظيفة الشعر عنده حيث أكد الشاعر حقيقة التحولات الوظيفية لدى درويش تبعا لمتغيرات للواقع ، والنفسية الشعرية ، والفعل الثوري مستشهدا بقول درويش": في قصيدته "عن الشعر": فمن يكتب القصيدة في زمان الريح والذرة يخلق أنبياء".
وقد تساءل الدكتور حسين عن الأولى في حياة الشاعر المكان أم القصيدة ؟ الواقع أم المتخيل؟
ووصل إلى أن فلسطين المتخيلة جمل بكثير من فلسطين الواقع .وان الوطن هو قصيدته الجديدة.
لفت الناقد النظر إلى التحولات الوظيفية للشعر من بداية قوله : قصائدنا بلا لون بلا طعم بلا صوت، إلى نصوص ديوانه الأخير "لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي " من تلازمية التناقض ، لا الوصول إلى الكمال .
الورقة الثانية قدمها الدكتور نادي الديك من جامعة القدس المفتوحة حيث حملت عنوانا لافتا وهو " العولمة والأدب – شعر درويش نموذجا " مقررا في البدء أن درويش شاعر له ما له وعليه ما عليه.
وفرق ابتداء بين العالمية في الأدب ومصطلح العولمة ؛ فالأولى تعني التفاعل الحضاري الممتد ، أما الأخرى فتشير إلى الجور والطغيان والسيطرة وفرض النموذج الآخر . صدر الديك كلمته باستشهاد بكلمة كاتب يهودي " إن السلام الحقيقي سيصير ممكنا عندما يقوم درويش وزملاؤه بإدخال الأدب الصهيوني في الأدب الفلسطيني" ولقد جاءت دعوة (يوسي سريد ) إلى تضمين المناهج الإسرائيلية قصائد لدرويش لتدريسها وفق الرؤية الإسرائيلية ، وقد أثارت هذه الدعوة ضجة سياسية في صفوف المتطرفين اليهود ، وقد أشار الدكتور إلى قيام الشاعر بحذف قصيدتين من مجموعته الكاملة وهما " عابرون في كلام عابر " و"سجل أنا عربي " وتساءل الناقد لم قام درويش بهذا الفعل؟
واستشهد على ذلك بقول درويش في إحدى مقابلاته " إن هذه القصيدة كتبت بدافع غضب لا محدود كما لو كانت حجرا إنها ليست ضد الإسرائيلي ولكنها ضد المحتلين إنها ليست صوتي الخاص".
وأشار الديك إلى أن درويش قبل لعبة العولمة لتحقيق مجد شخصي وأكد ذلك بموقف الشاعر من التسوية السياسية والسلام على الرغم من المقاطع الكثيرة التي توحي بالرفض للحل السلمي واتفاقيات أوسلو ومن ذلك قوله "مذ قبلت معاهدة الصلح لم يبق لي حاضر كي أمرّ غدا قرب أمسي " وكذلك استقالته من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بعد توقيع الاتفاقيات ، وعلى الرغم من ذلك فقد عاد درويش إلى رام الله بناء على اتفاق السلام ولقد كانت حواراته ومقابلاته دالة على موافقته المبدئية ابتداء من انتمائه لحزب راكاح الشيوعي ، وانتهاء باقتسامه بعض الجوائز الأدبية مع كتاب إسرائيليين، وسمى الناقد قصائد من مثل " هن الجميلات " و "حالة حصار " وأشار إلى قصيدته "إلى قاتل" حيث خاطب القاتل الإسرائيلي متخيلا انه أنجب طفلة ، وان الفلسطيني المقتول أنجب طفلا قبل أن يقتله جنينا في بطن أمه ، ثم قدر لهما أن يكبرا ويدرسا معا، ويتعاشقا ، ومن ثم يتزوجان وينجبان أسرة ، وتصبح هذه الأسرة يهودية نسبا للام.
تساءل الديك مندهشا من قول درويش مخاطبا السادات:
مديح الوطن كهجاء الوطن مهنة مثل كل المهن ،واستهجن أن يصدر مثل هذا التوصيف عن
شاعر كبير مثل درويش .
دار نقاش حول الورقتين المقدمتين في الجلسة الأولى حيث داخل بعض المشاركين حول الوظيفة الشعرية المتحولة من البدايات إلى النهايات بحيث أصبح يكتب شعرا غامضا لا يفهمه حتى المتخصصون وقد أجاب الدكتور حسين حمزة بان ثقافة درويش تحتم عليه أن يرتفع بجمهوره لا أن ينزل إلى مستواهم ، وقد أشار صبحي شحروري إلى أن الغموض ناشئ من تحول نظرية الشعر وتأثر الشعراء بالغرب من ناحية وان هذا الغموض له جذور في الأدب القديم كما قال أبو تمام عندما سئل "لم تقول ما لا يفهم ، قال للسائل : لماذا لا تفهم ما يقال " وقول الفرزدق " علينا أن نقول وعليكم ان تقولوا " .غير أن المشاركين أصروا على أن درويش قد تحول من شاعر شعبي كادح إلى شاعر رسمي لمثقفين وحسب.
أما عن ورقة الدكتور ساري الديك حول العولمة " فقد اعترض عليها بان مثل هذه المخاطبات ما هي إلا مخاطبة للإنسان في ذوات الإسرائيليين ، وان شاعرا مثل درويش شاعر عالمي يحسب عليه عدد الكلمات وكلامه يمكن أي يستغل في السياسات الإسرائيلية ، فقد كان لزاما عليه أن يوازن بين أقواله ، وداخل احد المشاركين أيضا بان الشاعر كتب قصيدة ضد أميركا "خطبة الهندي الأحمر قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض" في ديوان "احد عشر كوكبا " وكذلك قصيدة "كان ما سوف يكون ".
وقائع الجلسة الثانية
قدم الدكتور نبيه القاسم من الكلية العربية في حيفا ورقة بعنوان "درويش في حواره مع الذات " وصدر بالقول : إن درويش لم يكمن راضيا عن النقاد الذين شغلتهم نصوصه عنه بالقول: يغتالني النقاد أحيانا، يريدون القصيدة ذاتها، وانطلق من هذا المدخل إلى تقسيم مراحل درويش الفنية حيث قسمها ثلاث مراحل:
الأولى : داخل البلاد من سنة 1948 -1972 .حيث كان درويش شاعر الموضوع بامتياز .
الثانية : حتى عام 1982 شاعر الجمال تهمه التقنيات الفنية للقصيدة .
الثالثة بعد عام 1982 أصبح الشاعر الإنسان .
وعندها بدأ بكتابة السيرة الذاتية شعرا فطبع ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا " ، وسرير الغريبة " إلى الجدارية ، وقد صرح بتحوله هذا بالقول : ما اكبر الفكرة ، ما اصغر الدولة . أشار الناقد إلى بعض المؤولين شعر درويش إلى إقحام فلسطين رمزا في ديوان سرير الغريبة مع أن موضوعه الحقيقي والمتخيل هو موضوع ايروسي غزلي لا أكثر ولا اقل .
وقد تحدث نبيه القاسم عن أسئلة كانت تلح على الشاعر من مثل "لماذا خرجت " من أنت   ما ذا يعني الوطن لك ، أيهما أقسى أن تكون لاجئا في وطن غيرك أم لاجئا في وطنك ؟؟ مثل هذه الأسئلة كانت تمثل محور الذاتية في حركة درويش الشعرية الأخيرة إلى أن وصلت أرقى درجاتها في حواريته الرائعة مع الموت .
في الورقة الثانية التي قدمها الدكتور رمضان عمر التي جاءت بعنوان " البنية الحوارية في شعر درويش -الأبعاد والدلالات- " وبحث ذلك في ثلاثة محاور
1- تعدد الأصوات في شعره ؛ الصوت الثنائي والمتعدد ، الحقيقي والمتخيل .
2- المونولوج الداخلي وتيار الوعي .
3- لعبة الضمائر .
أشار د. رمضان إلى أن بحثه قد استند إلى مقولة (باختين )في تفسيره للحوارية القائمة على التلفظ وعلى ما قررته (كرسطيفا ) من خلال مقولاتها عن التناص الحواري ، ليخلص الناقد إلى أن الشاعر لم يوظف الحوار توظيفا مسطحا ، بل عميقا مستغلا كل الأبعاد الفنية ؛الرمز والتناص ، والمفارقة ، والفكرة لا الشخص ، وبنيتي الاستفهام والأمر ، إلى أن وصل إلى  ما سماه رمضان الاشتباك الحواري ، أو التشكل الحواري للنص الدرويشي .ونبه الناقد إلى أن دراسة البنية الحوارية يمكن أن تعد مدخلا لدراسة وظيفة الأدب عن طريق الحوار ، وقد مثل لذلك بقصيدة "الهدهد" ، لقد ارتقى الحوار أعلى درجات السلم البياني ، وتعدى ذلك إلى ما يمكن دراسته تحت مسمى " مسرحة القصيدة " .
في الجلسة الثالثة وقف الناقد صبحي شحروري معلقا على كل ما تقدم من أوراق بحثية ناقدا وموجها وفاتحا الآفاق إلى دراسات جديدة لشعر درويش دون النظر إلى درويش نفسه مستفيدا من مقولة البنيويين "موت المؤلف ".
بقي أن نشير إلى أن الشاعر عبد الناصر صالح قد أدار الجلسة الثانية من المؤتمر وقد ألقى قصائد عدة للشاعر درويش وقد قدم المشاركون الشكر الجزيل لجامعة القدس المفتوحة على هذا المؤتمر الذي يعد نشاطا ثقافيا وإبداعيا .
التوصيات
من خلال الأوراق البحثية والأفكار المتداولة في النقاشات ، خرج المؤتمر بالتوصيات والاقتراحات الآتية :
1-دراسة التحولات الوظيفية لشعر درويش في مراحله المتعاقبة: الأسباب والدلالات.
2- إرساء مناهج نقدية متعددة لدراسة نصوص درويش.
3- دراسة تحولات الخطاب الشعري من الثورية إلى الذاتية .3
4- الاهتمام بدراسة نثر الشاعر وعد الاقتصار على شعره.
5- إشراك الطلبة وتشجيعهم في المشاركة الفاعلة في مثل هذه المؤتمرات .
6- الاهتمام بدراسة شعراء المنفى من جيل الشباب .          
وقد توجه المشاركون بعد نهاية المؤتمر إلى تناول طعام الغداء في مطعم ريم البوادي .