جامعة القدس المفتوحة

خاطرة.. بقلم الدارس: هاني رأفت

نشر بتاريخ: 21-11-2011

 لا تحسب المجد ثمراً أنت آكله        لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

إذا تناغم الشراع مع النسائم، كانت المسافات قصيرة، وشواطئ الأمان قريبة، وإلا فان تعانق الامواج وتجاذبها لن يرحم من لم يعد للأمر عدته، فلن ينجو من لم يجهز بوصلة النجاة وقاربها .
هكذا هي الحياة تجمع تحت جناحيها كل المتناقضات ، فرح وحزن ، تعب وراحة، علو وانخفاض، نسائم وعواصف، حياة وموت، نصر وهزيمة، فالدهر ذو دول، وهذه الحياة لا يبقى حال لها شأن، لذا كان لزاماً على الإنسان ان يختار لنفسه مكاناً يسمو به، وليس المكان مما يتحقق بالأماني:


وما نيل المطالب بالتمني        ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

لله درك يا سيدي يا رسول الله ! يا من جئت يتيما لتتبناك السماء، ولتكون بالمنزلة العليا في دنياك وآخرتك، لله درك كيف غيرت وجه التاريخ، فنسجت للبطولة معاني جديدة، وألبست المجد والعزة والكرامة الثوب اللائق، الثوب المعطر برائحة المسك المنبعثة من دمك الطاهر الذي طالما نزفته في سبيل رفع راية الحق والخير والعدل ، والإيمان بالواحد الأحد. 
حقاً إن سيرة المصطفى عليه السلام وصحبه الكرام مثلاً يحتذى، ومنهاجاً يتبعن فقد شق سيف الظلم حياتهم الى حين، وأحاطهم كيد الكافرين سنين ، ولكن الرجال يعرفون عندما تتكاثر عليهم بنات الدهر، فيعرفون بحق حلاوة الفخر بالنصر، فلولا المشقة ساد الناس كلهم، وقد كان عليه السلام يعلم صحبه طريق العلياء وكأنه كان يأمرهم:


خذوا بنفوسكم طرق المعالي        فدهركم عصامي عنيد


ولعلهم كانوا للعلياء متعطشين فلم يغل المهر عليهم فعلموا ان لون الحرية هو لون الدم:


أرى الحرية اختضبت دماء        وقد خفقت لطالبها بنود


نعم ان الطريق الى الكرامة والعلياء ليس معبداً، أو مفروشاً بالورد كما يظن بعض الكسالى الذين يشكون أمراض البلاد ومشكلاتها، ليبروا عجزهم وتقهقرهم، وانزواءهم في ثنايا الحياة، متناسين أن العلياء لا بد لها من التضحية بالغالي والنفيس. 
وليس يخفى على احد حجم التضحية التي يقدمها أبناء شعبنا الفلسطيني المرابط الصامد على ارضه صمود التين والزيتون، لينتزع وطنه من فك الوحش المفترس وأعوانه الذئاب الذين تكالبوا على ارض الإسراء والمعراج مراهنين على أننا نسينا أمجادنا وتاريخنا وبطولاتنا، ولكن هيهات، فلسنا نكل حتى نجتث كل خبيث في أرضنا لذا فانه:


رخيص كل ما بذلوه فيها        ولا تغلوا النفوس ولا النقود
يسوم المجد طالبه بغالِ       ولا يطغى به الثمن الزهيد.


هذه هي سنة الحياة فمن أراد العلا سهر الليالي، ومن أراد أن يتقدم الصف فلا بد أن يشد الخطى ، فلم يكن عظماء التاريخ، وعباقرة الزمان ممن يعرف للراحة طعماً، أو للكسل مكاناً، حقاً إن الأفذاذ من كل امة ممن اتقنوا دورهم على مسرح الحياة فتركوا بصماتهم واضحة في جبين التاريخ قد سربوا من نبع القهر والظلم مراراً، ولكنهم أبوا إلا أن يكون الصعب مركبهم للعلياء.
وهنا يقول صاحب سحر البيان :


ومن يأب صعود الجبال        يعش ابد الدهر بين الحفر


ونقول لمن ظن أن الحياة ثمرة سهل مذاقهما لا بد للحسناء من مهر ولا بد للقمة من سبل و، وإلا فالقاع يتسع لكل من أراده:


إذا سهل النزول إلى حضيض        يشق اذا الى القمم الصعود



_________________________________________

* منطقة سلفيت التعليمية