جامعة القدس المفتوحة

*انعكاس الطلاق على الأطفال

نشر بتاريخ: 12-08-2017

*أ. مي محمود الشامي
تعد مشكلة الأطفال من أكثر المشكلات انتشارًا في المجتمعات العربية بصورة عامة، ومجتمعنا الفلسطيني بصورة خاصة، والطلاق أبغض الحلال عند الله، ومكروه في مجتمعاتنا المحافظة. أما على الصعيد الفردي فلا يتمناه رجل أو امرأة، ولكنه قد يكون السبيل الوحيد عند الوصول إلى طريق مسدود بين الزوجينرإذا ما استحالت العشرة وصعبت الصحبة.
مما لا شك فيه أن تربية الطفل وتنشئته تقع على عاتق الوالدين، مع تكثيف المسؤولية على الأم بوصفها الراعي الأساسي والمسؤول الأول والأخير عن الطفل وتربيته في جميع مراحل نموه الجسدي والنفسي والفكري.
وفي  ظل الصراع بين الآباء والأمهات يُهمَل الطفل واحتياجاته، وتنعكس هذه الخلافات على حال الطفل النفسية والمعنوية، فيلجأ إلى البكاء  تارة وإلى اليأس تارة أخرى بهدف لفت الانتباه لما يمر به من قلق وتوتر واضطراب، وليعبر من خلال تصرفاته عن حاجته إلى الحنان والرعاية والمحبة، إلى جانب احتياجاته المادية الأخرى التي تزيد ليدرك معنى الشقاء كلما كبر.
يتأثر الطفل تأثرًا بالغًا بأمه وأبيه، خاصة في سنيه العمرية الأولى التي تعد اللبنة الأساسية للتنشئة السليمة التي تنعكس على حياته فيما بعد إلى أن يصبح رجلًا. فالطفل الطبيعي الذي ينمو في أسرة سعيدة متماسكة اجتماعيًا وأخلاقيًا ينمو نموًا طبيعيًا ينعكس ذلك على أخلاقه وسلوكه في المستقبل. أما الطفل الذي يعيش لأسرة مفككة وتعاني شرخًا فيؤثر ذلك سلبًا على نشأته وسلوكه، والطلاق واحد من أهم الأسباب المؤدية للتفكك والانحلال، وهو الذي يهدم بناء الأسرة ويدمر حياة أفرادها على الصعيدين النفسي والاجتماعي.
وللطلاق أثار سلبية عديدة يحصد الطفل نصيبه منها، ولا تقتصر الآثارعلى عمر معين، إنما تؤثر على الأعمار كلها؛ فالطفل يستقي من الأسرة سلوكياته وأخلاقياته والتوازن النفسي والعقلي بما يراه من والديه، فيقلدهم بما يصدر عنهم من أمراض سلوكية وأخلاقية.
ومن هذه الآثار السلبية ما هو متعلق بالجانب التربوي كما أشارت الدراسات، فأطفال هذه الفئة يعانون من تدني التحصيل الدراسي وتكون النتائج أسوأ من كل التوقعات؛ فقد يصل بهم الأمر إلى حد التسرب الدراسي والميل نحو الأمية، ومن ثم افتقارهم للمهارات الاجتماعية، إلى جانب النظرة الدونية من قبل أقرانهم، كذلك نظرة المجتمع المشوبة بالشفقة أو التحقير، ما يدفعهم في كثير من الأحيان إلى العزلة والانطواء. وغالبًا ما يجد هؤلاء صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية لعدم شعورهم بالوفاء، بل إن منهم من تتكون لديه العقدة من الزواج.
     أما الآثار النفسية للطلاق على هذه الشريحة، فتظهر جلية من خلال شعورهم بالخوف والارتباك والعدوانية والانطواء وضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على التكيف مع الآخرين ورفضهم لأحد الأبوين وربما لكليهما، وقد تتضاعف الآثار لتصل إلى درجة الانحراف والإدمان وربما الانتحار.
ومن الضرر الواقع على هؤلاء الأطفال بعدهم عن إشراف آبائهم ونصحهم، ثم إنهم ليفتقدون الشعور بالأمن والأمان الذي يتحقق في حضن الأب في حال إذا ما لزم أمه، ثم غياب الحنان إذا ما لزم الأب دونها. وفي بعض الأحيان يتزوج الأب من أخرى فيضر الطفل عيشه مع زوجة أبيه، والحال ذاتها حين تتزوج الأم؛ فتتضاعف المشكلات على جميع الأصعدة. ويزيد إهمال الوالدين لأطفالهما بسبب العبء النفسي الواقع عليهما، وهذا يدفع الأبناء إلى أن يتخذوا من الشوارع ملجأ فيتشردون وينحرفون، وقد يلجأ الطفل إلى مهنة محرمة.
 معاناة الأطفال من صدمة انفصال والديهم تفقدهم الإحساس بالأمن والحماية والاستقرار، بل يعيشون صراعات المنازعة بين الوالدين، فهذا يحاول أن يجرهم إلى صفه والآخر مثله، ما يفقدهم الثقة وما يدفعهم إلى التفكير للعيش في عالم آخر هربًا من هذه البيئة، بل يصبحون عرضة للوقوع فريسة في أحضان المتشردين الذين يقودونهم إلى عالم الجريمة. 
وفي الختام، لابد لنا من أن نقرّ بأن كارثة الطلاق تجربة نفسية قاسية ومريرة تصيب جميع أفراد الأسرة وتخرجهم من أنس الصحبة والألفة ومن سكينة الدار ورحابها إلى دائرة بلا مركز، كما تفقد المجتمع عناصر صالحة فيه وتزعزع أمنه واستقراره.
                 
*عضو هيئة تدريس /جامعة القدس المفتوحة
كلية التنمية الاجتماعية والأسرية