جامعة القدس المفتوحة

نتعلم ولا ندرس

نشر بتاريخ: 12-08-2017

*أ. لوسي حشمة
 
تسعى وزارة التربية والتعليم العالي ومؤسسات التعليم الشريكة وطنيًا ودوليًا للخروج بخطة وطنية استراتيجية تستهدف تطوير الكادر التربوي وخصوصًا المعلمين.
ويأتي إعداد المعلمين وتأهيلهم قبل الخدمة وفي أثنائها بصورة تمكن من تحقيق مخرجات علمية تربوية تأخذ بيد الطالب نحو التميز والإبداع، بالإضافة إلى تعزيز دور المعلم للارتقاء بمهنة التعليم، وذلك عن طريق وضع نظام شامل ومعايير محددة لمهنة التعليم وفقًا للمعايير التي تقرها الوزارة من خلال تعزيز مكانة مهنة التعليم وتحسينها، والإسهام في تحسين نوعية التعليم ونوعية برامج المعلمين.
بناء على هذه الاستراتيجية، أعدت وزارة التربية والتعليم العالي خطة برامج تدريبية تربوية لزيادة الكفاءة الإنتاجية للمعلم عن طريق معالجة القصور أو تزويد المعلمين بكل ما هو جديد في مجالات التعليم من مهارات واتجاهات للمعلمين قبل الخدمة وفي أثنائها، فضلاً عن التخصصات التربوية في مؤسسات التعليم العالي، وأصبح إجباريًا على كل معلم أن يكون حاصلاً على درجة علمية في العلوم التربوية.
بالرغم من هذه الجهود والتدريبات التي يحصل عليها المعلم فإن التعليم البنكي هو الغالب في العملية التعليمية، ليس في المراحل الأساسية فحسب، بل في المرحلة الجامعية أيضًا. لذا نرى المعلم الذي يعلم الطالب أو المتدرب على أساليب التعليم الحديثة هو ذاته يستخدم الأسلوب التقليدي، فإذا مررت بين صفوف المدارس تسمع المعلم: (عيدو من وراي) أو (حطو سطر على الفقرة الأولى والثانية) أو (الامتحان من الجلدة إلى الجلدة) (حل المعادلة حسب الطريقة اللي أعطيتك إياها)، والأستاذ الجامعي يشرح لمدة ساعة أو تأتي محاضرته على شكل شرائح يمرر من خلالها المعلومات بشكل عابر ثم على الطالب أن يحفظها ليقدم فيها امتحانًا. إذًا أين البحث وأين الإبداع الذي تتكلم عنه الخطة الاستراتيجية في التعليم؟
لماذا لم يتغير أسلوب المعلم، علمًا بأن التعليم هو تغير في السلوك؟ ولماذا حتى الآن يستخدم معلمنا التعليم البنكي التلقيني؟ ألأنه لا يدرك دوره الأساسي في العملية التعليمية على الرغم بأن المعرفة هي عملية بحث لا تلقين؟
 لا يدرك الجهاز الأكاديمي أن سبب فشل هذه التدريبات هو التركيز على الجانب الفني فقط، لذا يرى (فريري) أن المسؤولية الأخلاقية في ممارسة مهنة التعليم وفي عملية إعداد المعلمين لا ينبغي أن تختزل أبدًا في صورة تدريب، بل يجب أن تتجاوز الإعداد الفني وأن ترتبط بجذور التشكيل الأخلاقي للذات الإنسانية والتاريخ الإنساني، ومن ثم يجب أن تلتصق المسؤولية الأخلاقية بالمهنة التعليمية.
أما آن الأوان لإعادة التفكير بمفهوم التعليم وتحويله إلى نظام تعلم أكثر من أي وقت مضى؟ نحن في أمس الحاجة إلى التغيير في النظام التعليمي وفي المناهج، خصوصًا أننا في عصر الاختلاف والتنوع وعصر الإبداع والابتكار، لكي نحصل على نتائج أفضل. 
إذا نظرنا إلى الأسس الفلسفية التي قامت عليها أفكار (باولو فيريري) وأهمها (النظر إلى المعرفة على أنها عملية بحث لا تلقين، وأنه لا يوجد جهل مطلق) ستتغير نظرة التعليم في بلادنا، وهذا ما يجب العمل عليه في التدريب للمعلمين. إذا أخذنا بمقولة (التعليم بحث وليس تلقينًا) علينا إذًا-بصفتنا معلمين-مساعدة الطلاب على البحث، فإن المتعلمين ليسوا صفحة بيضاء، كذلك فإن المعلم  لا يمتلك المعرفة وحده ولم يكن مصدر المعلومة الوحيد، خصوصًا مع وجود الإنترنت في أيامنا هذه. لهذا فعلى المعلم في هذه المرحلة العزوف عن فكرة (كلما كان المعلم قادرًا على ملء الأوعية (دماغ الطالب) فهذا دليل على كفاءته، وكلما كانت الأواني قادرة على الامتلاء فهذا دليل على امتياز الطالب). أجل، هذا ما يعانيه طلابنا في الوقت الحالي، فشخصية الطالب سهلة القياد لأنها اعتادت السماع والحفظ، وهذا النوع من التعليم لا يقدم للمتعلمين إي فائدة أو قيمة تربوية، ذلك أن الحفظ والاسترجاع لم يكن سوى ضياع وعيب في الأسلوب، لذلك يجب على الكادر الأكاديمي أن يغير مفهوم المعلم للعملية التعليمية ويغير المنهاج الذي يعتمد في أغلبه على التذكر، وذلك على النحو الآتي:
 ما يتعلق بالمعلم: 
-على المعلم أن يعي أولاً أنه ليس مصدر المعلومة وحده، وعليه مواكبة التكنولوجيا والتقدم العلمي بالوسائل والحلول والمسائل محافظًا على عاداتنا وتقاليدنا، موضحًا أهمية استخدام الشبكة العنكبوتية في التعليم، وبهذه الحالة نستطيع أن ننمي الاتجاه الإيجابي من استخدام هذه الشبكة.
- تنمية بعض الاتجاهات العلمية لدى المتعلمين، مثل حب الاستطلاع والبحث والتجربة. 
- تنمية التفكير الناقد والتفكير الابتكاري لدى المتعلمين. فعلى المعلم دائمًا أن يترك معلومة ناقصة حتى تكون محل بحث لدى الطالب للإجابة عنها. وهذا يتطلب من المعلم البحث وتعلم كل ما يستجد، بمعنى أي لا يقصر علمه على معلومات المادة التي يدرّسها. فمعلمونا يفتقرون إلى البحث العلمي في اتجاه تخصصاتهم، وبهذا فإننا نعزز البحث العلمي لدى الطلبة أيضًا.
- مساعدة المتعلم للوصول إلى المعلومات بنفسه بدلاً من أن يقدمها له المعلم، وذلك عن طريق إثارة المشكلات حتى يحث الطالب على البحث عن حلول لها عن طريق العمل التعاوني أو المجموعات والنقاش، فدور المعلم هو توجيه العملية التعليمية وتيسريها. وهذا يؤدي إلى إكساب الطالب الثقة بالنفس وتنمية قدرته على تقبل الآراء المختلفة والبعد عن التعصب للرأي الواحد إضافة إلى تقوية إحساسه بالآخرين ومراعاة مشاعرهم واحترام أفكارهم.
 
فيما يتعلق بالمنهاج
 من ناحية أخرى، فعلى الجهات المسؤولة تعديل النظر في المنهاج الذي يعتمد في أغلبه على التذكر، بالإضافة إلى عدم إجبار المعلم من إنهاء المقرر الدراسي حتى لا يتعجل المادة خشية من المشرفين التربويين على حساب التركيز على المحتوى والبحث والتحليل. ثم إن تعزيز الرحلات الميدانية والمحاضرات مع خبراء كل حسب اختصاصه أمر يجب ألا نغض البصر عنه. 
وأخيرًا، وجب علينا أن نثير سؤالاً: ما الهدف من التعليم؟ أمن أجل التوظيف أم من أجل الارتقاء ورفض قهر  الواقع المفروض على بلادنا نتيجة الاحتلال؟
"لا يوجد تعليم محايد، فهو إما للقهر أو للتحرير"
باولو فيريري
*عضو هيئة تدريس-جامعة القدس المفتوحة-فرع رام الله والبيرة