جامعة القدس المفتوحة

*تأملات فى علاقة الآباء مع الأبناء

نشر بتاريخ: 12-08-2017

 
 
*د. عاطف العسولي
 
  شهدت المجتمعات العربية بوجه عام تراجعًا كبيرًا فى علاقة الآباء بالأبناء على الرغم من تميزها عن غيرها من المجتمعات الغربية والأجنبية، فبروز ثورة تكنولوجيا المعلومات من بعد التصنيع كان له عظيم الأثر فى ذلك. وبالرغم من أن طبيعة تحول الأسر من الأسر الممتدة الكبيرة إلى الأسر النووية الصغيرة نتيجة هذا التغير المفاجىء السريع، أمست أعداد غير قليلة من الأسر فى حالة عدم اتزان، فاعتراها اختلال واعتلال تجلى أحد مظاهره فى علاقة الآباء بالأبناء، ولا يعود سبب ذلك إلى التطور التكنولوجي وما سببه من تأثير في المجتمعات، بل كان السبب فى طبيعة استيعاب ذلك التغير من قبل الآباء والأبناء، ذلك أن كل تغير يتطلب القدرة على استيعابه، ومن هنا نشير إلى أن القدرة المطلوبة هي القدرة الفكرية لا العضلية، أي أن المشكلات الناجمة عن طبيعة هذا التغير يتطلب حلها إعمال الفكر والعقل وليس استخدام العنف والقوة الذي يقود الطرفين إلى الجحود والعقوق. 
 بذلت المجتمعات الغربية والأجنبية جهدًا مختلفًا لاستيعاب ذلك التغير عن طريق الإعداد له من حيث التعليم والتركيز على الإبداع وإمداد الأبناء بالمهارات المختلفة مع توفير وسائل الرعاية الترفيهية والتثقيفية للجميع فى ذلك، ثم إن المؤسسات العامة والخاصة والأهلية شاركت إلى حد كبير فى التركيز على دعم الآباء والأبناء من حيث أساليب التربية السليمة للطفل فى كل مرحلة من مراحل نموه، مع ضرورة تشجيع الحوار الإيجابى معه ومع كل أفراد الأسرة، والحد من الحوار السلبي، ثم اتباع الوسائل والطرق المختلفة فى التربية باللعب والحب والتسامح والإيثار، وتوفير سلسلة من الكتب المفيدة للآباء والأبناء فى هذا الإطار، مع الدورات التدريبية مثل(Parenting skills)  وlove bridge)) بين الآباء والأبناء وغيرها، وقد نجحوا إلى حد ما فى ذلك. وأحدث ما قرأت فى هذا الشأن مجموعة كتب (Magic for kids 1-2-3 / توماس فالين )، وكان كل كتاب من المجموعة مخصصًا لعدد من المواقف فى التعامل مع الأطفال، ومن ثم يتدرب عليه الوالدان، وهكذا.
  الأمر الأكثر أهمية أن يصبح الآباء-نتيجة لما تقدم-غير مدركين للسبب المؤدي إلى عدم طاعة أبنائهم لهم، ما يجعل من استجابتهم وردود أفعالهم اتجاه الأبناء تتسم بالسلبية وعلى وجه يزيد من توتر العلاقة بينهم. ومن هنا يرتفع منحنى عدم الطاعة ليصل إلى القمة، وقد يصل إلى الهجر أو الانفصال في العلاقة مع الأسرة بالكامل، لذلك لا بد من أن يتوقف كل أب عن هذا السلوك ولا بد من وقفة مع أفكاره؛ يغيرها ويقودها إلى الطريق الإيجابى وحساب المكسب والخسارة والعائد من جراء هذا السلوك، لأن كل موقف أب مع ابنه يتطلب قيادة الفكر للاتجاه الإيجابى، والعلم يشير إلى أن هناك طريقين فى التفكير لا ثالث لهما: الأولى تؤدى إلى النجاح والصعود، والأخرى تقود إلى الخسارة والإخفاق، فالأب هو صاحب الاختيار فى طبيعة العلاقة، وبذلك تتغير مشاعره نتيجة تحوله عن أفكاره السلبية باختيار الطريق الإيجابي فى التفكير وتعلمه طرقًا جديدة وسبلًا مختلفة فى التعامل والإقناع، وبذلك يحقق النجاح المنشود. فبمجهود ذاتي أو بطلب مساعدة مختصين يمكن للأب أن يصل إلى لب المشكلة، ومن ثم يقف على الحل بدلاً من البكاء على اللبن المسكوب والشكوى من سوء العلاقة بينه وبين أبنائه.
 لا بد للأب إذن أن يدرك أن المشكلة ربما تكمن فى تراكم مواقفه السلبية وردود أفعاله تجاه أبنائه فيكون السبب الرئيس في تفاقم المشكلة، إذ إن كل موقف صعب كان يتطلب منه أن ينهيه بشرح وتفسير وتوضيح وصياغة نهاية سعيدة، ذلك أن العلاقة مع الأبناء هي سلسلة من المواقف والقصص الصغيرة، وهو فيها بمنزلة كاتب السيناريوهات المختلفة فى كل مرة. فمثلاً عند لجوء الأب للضرب أو العقاب في موقف ما لا بد له من أن يقدم التبرير والتفسير للطفل، لأنه بغير ذلك يبني في طفله كراهية مستترة عن تصرفاته غير المبررة وقد تنتهى بالعصيان والتمرد وتتفشى العقدة ما بين الفكر والمشاعر، حينئذ يستدعى الطفل الفكرة ويربطها بالمشاعر تجاه والده ويجد أن العقدة قد تجمدت كالدم المتخثر الذى يحتاج إلى أن يعود إلى طبيعته قبل التجلط التام، وفي حالة كهذه لابد للأب من أن يبدأ في تغيير طريقته وسلوكه على الفور، وهذا يأتى بتغيير أفكاره ومشاعره فى التعامل مع أبنائه والبدء من جديد، لأن رصيد حب أبنائه له لا يزال موجودًا، كما أن مشاعر الحب تجاهه أيضًا مستترة يستطيع أن يعتمد عليها فى حل المشكلة. وأتذكر أن أحدًا ما في إحدى الحالات، عندما طُلب منه توضيح علاقته مع والديه ذكر لي أن والده لم يحضنه إلا مرة واحدة فقط، وهى التي كانت بعد وفاته لحظة استدعوه لإلقاء نظرة عليه قبل الوداع الأخير، لذلك عندما يسأل الآباء المختصين عن سبب عدم طاعة أبنائهم لهم لا بد من أن يوجهوا السؤال لأنفسهم أولاً وسوف يجدون الإجابة تكمن في طريقتهم وأسلوبهم في الرعاية والتربية والتنشئة، فالتربية بالحب والتسامح والاحتضان أسهل الطرق لإذابة الدم المتختثر-إن جاز التعبير-فى علاقتهم بأبنائهم وفي فك العقد المترتبة على التنشئة غير السوية.
 
ولهذا الموضوع أيضًا علاقة وطيدة بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفقر والكثافة السكانية والتعليم وغير ذلك، والحل يبدأ من داخل المجتمع ومن ثقافة البدء لا من ثقافة الانتظار، مع محاولة الاستفادة من كل الموارد المتاحة والمتوفرة، مع ضرورة تضافر كل الجهود داخل المجتمع كله والتشبيك مع المؤسسات ذات العلاقة لتعليم الآباء الأساليب الحديثة والمتطورة في التربية بما يتواكب مع العصر، وذلك بإدماجهم في دورات تدريبية وتعليمية. وثمة مؤسسات بدأت بالفعل ولكن جهودها حتى الآن مبعثرة لم تصل إلى الغالبية العظمى من الفئات المستهدفة لإرشادها وفك رموز العقد بين أفكار العديد من الآباء والأبناء. وتكمن الخطوره أيضًا في عدوى انتقال تبعات التفكك من داخل الأسر إلى المجتمع. وها هنا أتذكر حالة أحدهم وقد حضر للاسترشاد عن طريقة صحيحة للتعامل مع والده صعب المزاج، إذ إن الابن كان قد قاطع والده طيلة عامين وهو يعيش معه فى أسرته ولكنه لا يحادثه، والآن يشعر بالذنب غير أنه لا يستطيع التصرف، فقدمتُ له النصح والإرشاد وذكرت له أن لجوءه للمساعدة يعدّ أولى الخطوات الإيجابية تجاه الحل، ومن ثم سيترتب على ذلك حل المشكلة بالكامل، وهذه الطريقة وصفها اليابانيون بطريقة الكايزن (خطوة إيجابية واحدة تقودك نحو التغيير) ومن ثم كانت الخطوات الأخرى فى تحسين العلاقة بينه وبين والده، وهكذا.
ختامًا، نحن فى حالة اعتماد متبادل، ولا بد من طلب المساعدة إذا ما تعذر إيجاد الحل، ذلك أن الغرب كان من قبل قد أعد نفسه لهذا الطوفان الهائل القادم، فالمجتمعات العربية وحكامها يجب أن توجه ويوجهوا البوصلة نحو المعاملة الوالدية وأساليبها، ويجب أن تُخصص العديد من المشاريع الداعمة لبناء الإنسان كي تكون فى خط متواز مع تشييد دُور العبادة والقصور، ولنبدأ جميعًا باتباع أولى خطوات طريقة "الكايزن" نحو الحل، وهي خطوة الاحتضان، حتى وإن تم اختصارها بقبلة "تصبحون على خير" فهذه هي بداية الطريق لفك رموز العقدة بين الآباء والأبناء. 
 
*أستاذ علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية المشارك
جامعة القدس المفتوحة - فرع غزة