جامعة القدس المفتوحة

*فلسطين وعلم البيانات

نشر بتاريخ: 12-08-2017

*م. رامي تيلخ
في السنوات الأخيرة أصبحت البيانات إحدى الأصول المهمة (Key Asset) في كثير من المؤسسات والأعمال. وأصبحت الخدمات الإلكترونية والأنظمة المحوسبة موردًا مهمًا في هذه القطاعات، وصار جزء من ميزانيات هذه المؤسسات يُرصد أو يُنفق على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وما يلزمها من طواقم بشرية وموارد تكنولوجية، وذلك لدورها في دعم أداء المؤسسات وانعكاس ذلك على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وسرعتها، وأهمية ذلك في التنافس لاستقطاب الزبائن وتطوير الأعمال.
 
إلى جانب هذا التطور وما نتج عنه من بيانات ظهرت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية وإنترنت الأشياء (Internet of Things) التي أسهمت بشكل كبير في إنتاج كم هائل وبشكل متسارع من البيانات بجميع أنواعها: النصية، والصوتية، والصورية، وغيرها.
 
إنّ أهمية البيانات لا تكمن في كشف معلومات عن الأشخاص والأماكن والأشياء والأحداث وعلاقتها ببعضها وطريقة تخزينها والوصول إليها، بل تتعدى ذلك للاستفادة منها من خلال فهمها وتحليلها واستخراج المعرفة منها، وهذا ما يقتضي بالطبع استخدام علم البيانات.
 
إنّ علم البيانات حقل علمي متعدد التخصصات (Interdisciplinary Field)، وهو مجموعة من المهارات المتنوعة التي من خلالها يمكن تحويل بيانات خام (Raw Data) إلى معلومات، واستخلاص معرفة منها قد تسهم في تحسين عملية التخطيط وتسريعها، وقد تدعم في عملية اتخاذ القرار وتساعد في التنبؤ بأحداث مستقبلية. وهذه المهارات عبارة عن مزيج من علوم الحاسوب والإحصاء، إضافة إلى مهارات التحليل والتنقيب والبحث والتواصل. وهذا العلم يستهدف بيانات في مجالات متعددة مثل: الرعاية الصحية، والتعليم، والزراعة، والاقتصاد، والتسويق، و تنبؤات الطقس، وغيرها. 
 
على الرغم من أنّ مصطلح علم البيانات غير شائع-وتحديدًا في منطقتنا-ولكنه ليس جديدًاً، وقد ظهر هذا المصطلح في الأبحاث العلمية المتخصصة في علم الحاسوب منذ ستينيات القرن الماضي وذُكِر بمسميات أخرى مثل التنقيب في البيانات (Data Mining). وقد قُدّم هذا المصطلح في موضوع مستقل في العقد الأول من القرن الحالي وأخذ بالانتشار وبدأ يظهر جليًّا في العديد من المقالات العلمية والأوراق البحثية وفي أهم المجلات والمؤتمرات العلمية. وفي عام 2012م نشرت مجلة (Harvard Business Review) مقالة تزعم بأن وظيفة المتخصص في علم البيانات (عالم بيانات) هي الأكثر جاذبية في القرن الواحد والعشرين (Data Scientist: The Sexiest Job of the 21st Century).
 
إنّ هذا التنوع في المهارات المطلوبة يشكل صعوبة تتمثل في توفر المهارات المذكورة مجتمعة في شخص واحد. فعلى سبيل المثال إن الاستفادة من البيانات المتوفرة حول مرض معين للمساعدة في تطوير علاج لهذا المرض تستلزم توفر المعرفة والخبرة الطبية بالإضافة إلى الدراية والخبرة في مجالات الإحصاء وبرمجة الحاسوب، ومن ثم فإنّ الاستفادة الفعالة تتطلب تشكيل فريق متكامل يتوافر فيه هذا المزيج من المهارات للوصول إلى الهدف المنشود.
 
إنّ استخراج المعرفة من البيانات ليست بالعملية السهلة والمباشرة، فهي تبدأ من استكشاف البيانات وجمعها من مصادر متعددة، وإعدادها وإزالة أي بيانات غير ضرورية أو غير دقيقة (Data Clean) وفهم توزيع البيانات وعرضها رسوميًّا وبيانيًّا في محاولة لتحليلها واكتشاف العلاقات المختلفة بينها وصولاً إلى التحليل المطلوب. 
 
ومع ضرورة هذا العلم وشيوعه عالميًّا، وتحديدًا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا- حيث يلاحظ ذلك من خلال عدد الوظائف المطلوبة وعروض العمل المتميزة المقدمة للمتخصصين في هذا المجال، إضافة إلى طرح تخصص علم البيانات أو تخصصات ذات علاقة في كثير من المؤسسات التعليمية في تلك الدول- إلا أنّ هناك نقصًا ملحوظًا في الخبراء على المستوى الوطني (أو حتى الإقليمي)، كما أنّ الوعي اتجاه أهمية هذا العلم وتطبيقاته غير ملاحظ، أو على الأقل لم نسمع إعلاميًّا-حتى لحظة كتابة هذه المقالة-عن قصة نجاح حقيقية سُخُّر فيها هذا العلم لدراسة البيانات المتنوعة الموجودة (أو إنتاجها في حال عدم توفرها) في مؤسساتنا الوطنية والقطاعات المتعددة. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ هناك عددًاً من الشركات الخاصة والمؤسسات المالية والمصرفية في فلسطين تستخدم تقنية (Business Intelligence-BI)، التي تلعب الدور الذي يقوم به علم البيانات مع الفرق في أنّ (BI) تعتمد على بيانات تاريخية، وعادة ما تكون ذات بنية منظمة (StructuredData).
 
إنّ المطلوب وطنياً هو استغلال هذا العلم بما يخدم  تطوير التخطيط للمستقبل وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين وتطوير الأعمال. ويقع جزء من المسؤولية على مؤسسات التعليم العالي في فلسطين بطرح هذا التخصص في برامجها الأكاديمية، وإنشاء المراكز البحثية المتخصصة، ورفع الوعي بأهمية هذا الحقل العلمي وكيفية الاستفادة من البيانات من خلال عقد ورش تدريبية متخصصة ومرتبطة بسوق العمل. ومن جهة أخرى، وعلى الصعيد الفردي، فإنّ فرص تطوير المهارات مفتوحة ومتاحة، وتحديدًا للعاملين في مجالات تكنولوجيا المعلومات وهندسة البرمجيات والتحليل الإحصائي، وإنّ وسائل اكتساب المعرفة متعددة في علم البيانات، فهناك العديد من الدورات المتخصصة مطروحة مجانًا على بعض المواقع الإلكترونية المشهورة مثل: (courser) و(edx).
 
وختاماً، فإنّ علم البيانات من المجالات الواعدة التي تحتاجها كثير من المؤسسات والقطاعات المختلفة في فلسطين، ومن العلوم التي تتطلب التكامل بين مهارات مختلفة، إذ لا تزال هناك فرصة في صنع قصة نجاح حقيقية في هذا العلم إذا ما توافرت البيانات ومصادر المعرفة ووسائل تطوير القدرات والمهارات، ثم تبنّي ذلك على مستوى الإدارات العليا وصناع القرار.
 
*مركز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات