جامعة القدس المفتوحة

*بين خيوط الشبكة العنكبوتية

نشر بتاريخ: 12-08-2017

*أ. أميمة قراقع
    ما عاد يخفى على أحدٍ أننا في عصر فتحت فيه أبواب المعرفة، وتيسرت فيه وسائل الاتصال والتواصل، فلا شيء بعيد أمام عالم يقرب الصعاب ويذللها ويوصل إلى حيث نريد. 
      لا مجال للمرء أن ينكر فوائد الإنترنت وما نتج عنه من الانفتاح على مواقع التواصل الاجتماعي، فـأضحت كلمات (الفيسبوك) و(الواتس أب) و(تويتر) من الكلمات التي تطرق آذاننا مرارًا وتكرارًا كل يوم، بل صارت جزءًا مهمًا من الحياة  اليومية، حتى أنك تنظر للمرء فتجد جهازه لا يفارق يديه.
في هذه المواقع التفاعلية الخير الكثير إن أُحسن استخدامها وتوظيفها، فمن التنقل بين المواقع الإلكترونية العلمية والموسوعات ومحركات البحث إلى طرق التواصل الاجتماعي التي أوجدت سبلاً جديدة يتواصل بها الناس كتابة ورؤية، فيتبادلون المعلومات إلى غير ذلك. وهذا كله يسهم في خدمة الشخص ويسهل حياته الدنيوية ويحسنها دون أن يقصر في واجباته الدينية أو يضيع وقته.
لكن الخشية تكمن في الانجراف التام والتوغل فيها حتى غدا البعض يستغني عن وجبة الطعام ولا يستغني عن (الفيسبوك)، بل لا يستطيع إبعاد عينيه ولو قليلاً عن شاشة جهازه، ما أدى إلى تأخير الأولويات وتعطيل الواجبات، هذا إلى جانب الأضرار الصحية التي تلحق بهذه الشريحة من الناس وهم كثر، ولا سيما فئة الشباب، فتجدهم يؤخرون الصلاة أو يضيعونها، وتتملكهم حالة من الغضب والتوتر حتى اتجاه أقرب الناس إذا ما حاولوا تقديم النصح لهم، فانتشر العقوق وضيّعت الصلوات وهُجر كتاب الله تعالى.
ثمة محاذير أخرى تكمن وراء نشر أسرار البيوت وما يحدث فيها، فانتهكت الخصوصيات وفضح المستور إلى درجة نشر الصور الخاصة والبوح بالمشاعر والمغازلات الزوجية وغيرها، بل ربما يتبادلون الشتائم أو يتباهون بالصور أو الطعام أو الأبناء إلى غير ذلك من أمور الدنيا التي حذرنا الرسول من الانغماس والتنافس فيها، والأسوأ من ذلك أن تجد من يتابع الصور والفيديوهات المحرمة أو ينشرها، وينسى أن العين تزني وزناها النظر، أو يقيم علاقات محرمة مع الجنس الآخر تحت عنوان الحب أو الصداقة أو التسلية حتى شمل هذا الأمر المتزوجين والمتزوجات، فصارت الأسر مهددة بالانهيار، وتزايدت حالات الطلاق بسبب (الفيسبوك) أو (الواتس أب) أو غيرها.
وماذا عن هدر الوقت ونحن نقلب صفحات (الفيسبوك) أو نتحدث مع الآخرين لفترات طويلة؟! لا بأس من بعض الوقت نتواصل فيه بما يفيد ويحقق صلة الرحم أو التواصل مع الناس والأهل والأصدقاء، ولكن ما يحدث على أرض الواقع هو حالة من الإدمان، فلا يشعر أحدهم بالوقت الطويل الذي يقضيه في هذه المواقع، مع أن الوقت هو الحياة، والله تعالى أقسم به في سور عديدة ليبين عظيم أمره، وبيّن لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن المرء سيقف بين يدي ربه يوم القيامة ليسأله عن عمره فيما أفناه، فما تراه يجيب من كانت حاله إدمان (الفيسبوك) وغيره؟!
إن التكنولوجيا الحديثة سلاح ذو حدين، فإما أن نصيب منها الخير الكثير إن أحسنا استثمارها أو تستدرجنا إلى طريق خطير يبعدنا عن أهدافنا وعن إرضاء ربنا.
آن لنا أن نقف وقفة مراجعة للنفس، ونتقي الله تعالى في أنفسنا، وفي أسرنا وفي أوقاتنا، وأن نتحلى بالعزم والإرادة وضبط الوقت وتنظيمه والحرص على المفيد وترك لغو الكلام ومضيعة الوقت، وفي حال شعرنا بفقدان الإرادة وعدم السيطرة على الوقت والنفس فالأولى هجر هذه المواقع تمامًا وعدم الدخول إليها، فنحن محاسبون على أوقاتنا وعلى صلاتنا وعما نقول ونكتب وننشر ونحادث، ولنتحمل مسؤوليتنا بجدية اتجاه بيوتنا وأبنائنا ومجتمعنا وأمتنا عامة.