جامعة القدس المفتوحة

*الكتاب المتطفلون

نشر بتاريخ: 12-08-2017

* أ. سناء تايه
الكتابة إبداع يحلق به الكاتب في فضاءات يختلط فيها الواقع بالخيال، ويسعى بكل جهد لينير درب قرائه بفكر راق يشكل عبورًا لحضارات اختلطت فيها القيم.
والمتتبع لكتاب هذا العصر يجد أننا وللأسف في عصر انقسم فيه الكتاب إلى قسمين، قسم يكتب ليضع إصبعه على الجرح النازف ويشير إلى أزمات مجتمعه باحثًا عما يضمد هذا الجرح دون أن يفقد الدور الفني والإبداعي واللغوي خدمة للمجتمع بكل أطيافه، فهذا النوع من الكتاب يتعدى القشور ليصل إلى الجوهر. أما القسم الآخر فهو الذي أسهم في انحدار الذائقة الأدبية واستغل أوجاع شعبه ووظف مآسيه لمصالحه الشخصية وكسب الشهرة، فكانت أزمات مجتمعه مطمعًا للوصول إلى بغيته بأسلوب رخيص وأدوات سطحية. إن أمثال هذه الفئة الوصولية لا تمتلك رؤى فنية أدبية ونقدية، ولا يتعدى دورهم النقل الفوتوغرافي لقضايا المجتمع بأسلوب سطحي دون إبداع فني أدبي، فيتدثر أمثال هؤلاء الكتاب بالمسائل الإنسانية والاختفاء خلفها والحديث فيها بطريقة إنشائية غاب عنها الوعي وإدراك رؤية فلسفية إبداعية.
   هذا النوع من الحضور الزائف لأمثال هذه الفئة المتهالكة يؤدي إلى رسم صورة مخجلة في الأدب المقارن، ذلك أن كل تعاطف زائف في الجانب الإنساني يقابله ضعف فني أدبي من جانب آخر.
  ومما لا شك فيه أن أمثال هؤلاء الكتاب يسيئون للغتنا العربية وآدابها لأنهم لا يمتلكون ناصية اللغة السليمة ولا أدوات الكتابة الفنية والأدبية، فيصيبون اللغة العربية بمقتل وتكون النتيجة كارثية في ظل غياب المرجعيات النقدية الحرفية. فأمثال هؤلاء يلاقون رواجًا لدى أشباههم الذين يفهمون النقد ويفصّلونه وفق أهوائهم ومصالحهم الشخصية، فلا يمتلكون مناهج نقدية تثري العمل الأدبي وتسلط عليه الضوء بموضوعية دون مجاملات. 
   إن غياب الفلسفة في المناهج والجامعات أدى إلى غياب الرؤية الفلسفية في قراءة الأعمال الأدبية، فالنقد الحقيقي يتسم بالموضوعية من جانب والالتزام الأخلاقي من جانب الناقد وتقبل الكاتب للنقد دون أخذ الأمر على محمل شخصي، لكن وللأسف تغيرت الموازين وتحول النقد إلى مجاملات،  و"الإيجابية" الوحيدة عند من يدعي النقد هو رفع قيمة الكاتب والمساهمة في نشر منشورات لا تستحق النقاش والشهرة، ولا يتعدى دور الناقد المادح سوى عرض العمل والدفاع عنه دون تغذية راجعة، ودون حوار نقدي، كأنه استُدعي ليثري اللقاء بالمدح والثناء على من لا يستحق، والتغاضي عن نقاط ضعف الكاتب، وحين يلتقي الناقد السلبي إلى جانب أشباهه من الكتاب الوصوليين تكون النتيجة تدمير الإبداع الأدبي والنقدي. وفي ظل غياب الناقد الحقيقي يطفو الكاتب الطفيلي على السطح فيحتل الساحة الأدبية.
 لم تكن العبرة يومًا في كثرة المنشورات، بل في تلك التي تستحق أن تنشر وتشهر وتناقش ، لكن ما يحدث في وقتنا الحاضر تسارع بين متطفلين على الأدب للنشر والترويج لمنشوراتهم، ما أدى إلى هبوط في الذوق الأدبي، وهذه التخمة من المنشورات التي لا تستحق مداد ما كتبت به أساءت لأدبنا ولغتنا، فهي كالبحر المتلاطم الأمواج، ومن واجب المسؤولين والحركات الأدبية والنقدية والثقافية والفئات الشعبية والأندية الأدبية أن توفر أطواق النجاة لأدبنا العريق، وتغربل هذه الفئة من الكتاب والنقاد الذين لا يمتلكون الوعي الكافي للإحاطة بمقومات الكاتب الناجح والناقد الموضوعي، وكل ما يدركونه الفواصل الزمنية للوصول إلى مكتسبات شخصية. إن ما علينا فعله في هذه الحال تحويل الإمكانات والطاقات الإيجابية للحفاظ على بيئة أدبية ونقدية سليمة والسير بها إلى ضفة النجاة والمستقبل الواعد.
وهنا يأتي دور كتابنا المرموقين الذين لهم الأثر الإيجابي في إثراء أدبنا وإماطة اللثام عن هؤلاء لأنهم في النهاية سيبقون شوائب لا مكان لها بين الأدباء والكتاب الحقيقيين.
 
*جامعة القدس المفتوحة/فرع طولكرم