جامعة القدس المفتوحة

*دور الخدمة الاجتماعية في الحد من نسبة الطلاق في المجتمع الفلسطيني

نشر بتاريخ: 12-08-2017

 
* نظمية حجازي
 
شرع الله تعالى الزواج الذي هو أساس للحياة الكريمة، فقد ورد في محكم كتابه: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون") الروم: 21). صدق الله العظيم 
فالزواج هو الركيزة الأساسية للأسرة التي تعد بدورها المؤسسة الاجتماعية الأولى في المجتمع، فكون الأسرة تقوم على أسس سليمة سيمهد ذلك لقيام مجتمع قوي متماسك ينتشر بين أفراده الأمن والمحبة والعلاقات المتماسكة التي تقوم على التفاهم والانسجام، وعلى الرغم من ذلك فإن هناك بعض الحالات التي يكون فيها الطلاق حماية لما تبقى من الكيان الأسري بعد استفحال المشكلات وانتشارها لتطال كل أركان الأسرة.
ومن خلال الإحصاءات المنتشرة في البلدان العربية-ومن ضمنها المجتمع الفلسطيني-نلاحظ ارتفاع نسب الطلاق، حيث أشارت تلك الإحصاءات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى وقوع (3,675) حالة طلاق قبل الدخول، و(3,410) حالة طلاق بائن بعد الدخول، و(1,094) حالة طلاق رجعي، بحيث شكل المجموع العام لحالات الطلاق (179,8) نهاية عام 2015م.
 
أسباب انتشار الطلاق 
أ‌. الأسباب العامة مثل: سوء اختيار الزوج، وقصور وعدم وضوح في أهداف الزواج، وعدم التكافؤ في كل من المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، والبعد عن الدين والانحلال الأخلاقي، ووسائل الإعلام بما تصوره من صور خيالية غير واقعية للحياة الزوجية.
ب‌. الأسباب الاجتماعية:  وتتمثل بطبيعة العلاقات التي تربط كلا الزوجين ببعضهما، وكذلك طبيعة المعاملة بينهما (العنف الموجه من أحدهما ضد الآخر، والإهمال، وعدم تحمل المسؤولية، وعدم الاتفاق على طريقة التنشئة الاجتماعية للأبناء، والبعد عن الدين، والاختلاف في المستوى الثقافي والتعليمي، أو عدم التوافق بين الزوجين ويشمل ذلك التوافق الفكري وتوافق الشخصية والتكيف الاجتماعي، ومدى تقبل كل منهما للآخر، والقدرة على التعاون في مواجهة المشكلات والعقبات التي تعترض مسيرة الحياة الأسرية التي تمكنهم من السيطرة على الأمور وضبط الذات، ثم تأتي الخيانة الزوجية، وتدخل الأهل السلبي بين الأزواج الشابة، والمشكلات الجنسية أو عقم أحد الزوجين). 
ت‌. الأسباب الاقتصادية: تعد الأزمات الاقتصادية التي تمر بها الأسر الفلسطينية من أحد أسباب الطلاق، لا سيما الطلاق قبل الدخول، فبعد أن تتم الخطبة يستغرق الأمر عدة سنوات لإتمام مراسيم الزواج من أجل توفير المتطلبات الأساسية للزواج، ما يدفع إلى الطلاق بسبب عدم القدرة على مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، وفي أثناء الحياة الزوجية يلعب العامل الاقتصادي دورًا كبيرًا في استقرارها فمستلزمات الحياة متجددة في ظل الغلاء المعيشي الذي يعانيه المجتمع ككل واستمرار تفاقم أزمة البطالة، ورفض بعض النساء العيش في حالة من الكفاف فتلجأ إلى مطالبة الزوج بالكثير من الالتزامات المادية، وهذا يؤدي إلى وجود المشاحنات اليومية التي سرعان ما تنتقل بآثارها السلبية على مكونات الأسرة فيكون الطلاق هو الحل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من الكيان الأسري. 
 
آثار الطلاق على الزوجة المطلقة 
إن أبرز هذه الآثار نظرة المجتمع الدونية إلى المرأة المطلقة وردود الفعل التي تصدر عنه تجاهها من حيث إلقاء اللوم عليها باعتبارها السبب الأول في عدم قدرتها على المحافظة على أسرتها وبيتها، ما يسبب لها مزيدًا من المشاعر السلبية على المستوى النفسي، أضف إلى ذلك المشكلات التي تلحق بها على المستوى الاقتصادي بحيث تصبح العائل الوحيد لأسرتها، كما أنها تتحمل تربية أطفالها في ظل قيود مجتمعية تفرضها عليها العادات والتقاليد، سواء كانت هذه الرقابة من الأسرة التي يتحكم فيها العنصر الذكري أو من المجتمع الذي يطوقها بثقافته ونظرته لها.
 
 آثار الطلاق على الزوج المطلق 
 يعتقد البعض بأن أثر الطلاق على الزوج المطلق يكون أخف وطأة، إلاّ أن الكثير من الدراسات بينت تزايد نسبة الرجال المطلقين الذين يعانون من مشكلات نفسية وأمراض سيكوسوماتية بعد الطلاق إذا ما قورنت حالتهم هذه بحالتهم من ذي قبل، وغالبًا ما يشعر الزوج المطلق أنه فقد قوته وتأثيره كزوج وأب، خاصة إذا لم تكن لديه وصاية على أبنائه، لأن الحضانة غالبًا ما تكون من حق الأم.
 
آثار الطلاق على الأبناء 
بينت كثير من الدراسات أن أثر الطلاق والتفكك الأسري يلاحظ بشكل ملموس على الأطفال من حيث طبيعة التنشئة الاجتماعية والنفسية التي يتلقونها، عوضًا عن وجود التنشئة الاجتماعية المزدوجة إذا ما تم انفصال الوالدين وزواج كل منهما بآخر، وقد يكون الانفصال العاطفي والاجتماعي عن آبائهم بسبب حضانة هؤلاء الأطفال من قبل الجدة أو أن يودعوا في مؤسسات إيوائية متخصصة، ما يفقدهم الثقة في أقرب الناس إليهم، ومن ثم تصقل شخصياتهم بالنقمة والعداء على أسرهم وعلى مجتمعاتهم إن لم يتلقوا الرعاية والمعاملة السليمتين، ومع تتابع سنوات العمر وفقدانهم للعاطفة الأبوية تصبح قلوبهم أكثر قسوة وسلوكياتهم غير سوية.
 
آثار الطلاق على المجتمع 
ذكر كثير من علماء الاجتماع الآثار الخطيرة التي يتركها الطلاق على المجتمع من حيث الجيل الذي يصبّ جام غضبه على المجتمع لفقدانه الرعاية اللازمة له، لذلك أصبحنا نرى في مجتمعنا العديد من الأطفال الذين يجوبون الشوارع ليل نهار، وكثرة أعداد الجرائم التي يرتكبها الأطفال مثل السرقة والاحتيال والنصب والعمالة والرذيلة، والأخطر من ذلك كله وجود جيل فاقد لمقومات المواطنة الفاعلة أو الشعور بمسؤوليته تجاه مجتمعه.  
الدور المتوقع للخدمة الاجتماعية في الحد من نسبة الطلاق في المجتمع الفلسطيني
تلعب الخدمة الاجتماعية دورًا هامًا في النهوض بالمجتمع الإنساني عن طريق المساهمة في مساعدة الناس على حل مشكلاتهم الاجتماعية والتخفيف من حدة المشكلات التي تظهر بفعل التغيرات التي تطال المجتمع بسبب التغير الاجتماعي. فمجالات الخدمة الاجتماعية متعددة ومنها المجال الأسري الذي يهتم بطبيعة التفاعلات الاجتماعية ما بين أعضاء الأسرة فيما بينهم، كما أنه يهتم بالعلاقات الاجتماعية الإيجابية في المجالات التي يكون لها تفاعل مباشر مع الأسرة من أجل المحافظة على تماسكها وقيامها بالأدوار الاجتماعية المنوطة بها. 
وللحد من مشكلة الطلاق في المجتمع الفلسطيني لا بد من ممارسة المهنة الاجتماعية على المستويات الثلاثة:
أ‌. المستوى الوقائي: ويكون ذلك من خلال التعرف على المشكلات التي تؤدي إلى التفكك الأسري واستفحال المشكلات ومن ثم الطلاق، والقيام بالحملات التوعوية والتثقيفية التي تمكن الجمهور المستهدف من التعامل معها قبل حدوثها ومنع تفاقمها.
ب‌. المستوى العلاجي: تتعامل المهنة مع المشكلات التي وقعت فعلاً، وقد تكون المسبب الرئيس لحدوث الطلاق، فتوجه المهنة جهودها للتغلب على هذه المشكلات ومنع تفاقمها وتقليل الضرر الناتج عنها إلى أدنى حد متوقع، بحيث تمنع حدوث الطلاق.
    ج.  المستوى التنموي: وفيه تستثمر المهنة الموارد والقدرات الموجودة لدى أعضاء الأسرة من أجل    .       التغلب على الصعوبات المترتبة على حدوث الطلاق.
كذلك المساهمة في استحداث مكاتب للخدمة الاجتماعية وهي:  
1. مكاتب فحص: وهي للراغبين في الزواج الذين يجرون فحصًا طبيًا لتفادي وقوعهم في المشكلات الأسرية الناتجة عن الأوضاع الصحية، وللتقليل من الولادات التي قد تكون حاملة لبعض الأمراض مثل مرض الثلاسيميا، والكبد الوبائي، والإيدز. 
2. مكاتب استشارات الزواج:  وهذه مكاتب تقدم النصح والإرشاد لإنجاح الزواج، إذ يقوم الأخصائيون في مختلف أماكن وجودهم بتقديم التوعية للأسر في جميع المجالات، مثل مجال تربية الأطفال ورعايتهم وتنظيم الأسرة.
3. قسم الإرشاد الأسري داخل المحاكم الشرعية: يهدف هذا القسم إلى حل الصراعات بين الزوجين وإعادة جو التفاهم والانسجام بين أفراد الأسرة وتأهيلهم بالدرجة التي تمكنهم من ترتيب أوضاع بيتهم من جديد، وإعادة التوافق ما بين الأزواج من أجل ضمان استمرارية الحياة الزوجية على أسس سليمة.
 
وهنا يبرز دور الأخصائي الاجتماعي في المحاكم الشرعية كونه من يتولى زمام الأمور في المساهمة بحل المشكلات من خلال الإنصات الواعي لكلا الزوجين، ما يتيح له الفرصة بتكوين صورة واضحة عن المشكلة وأسبابها والعوامل التي أدت إليها، وكيفية التوصل إلى حل يرضي الزوجين ويحافظ على الأسرة.
كل ذلك يساعد في الحفاظ على الأسرة بكل مكوناتها: الزوج، والزوجة، والأبناء، وتدعيم العلاقات والتفاعلات وطرق الاتصال والتواصل بين أعضاء الأسرة بحيث تكون أسرة متحابة متماسكة قادرة على تأدية رسالتها السامية في الحياة.
 
*فرع طولكرم