جامعة القدس المفتوحة

*دور المشاركة في الإدارة

نشر بتاريخ: 12-08-2017

 
*د. محمد عبد الرحمن أبو الجبين
 
 إن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قائد هذه الأمة، مليئة بالدروس والعبر الخاصة بالمشاركة وإبداء الرأي والأخذ بالأفضل. القرآن الكريم يحضُّ على المشورة ?وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ? فمن خصائص المؤمن أنه يشاور لكنْ من يستشير؟! الاستشارة لأولي الخبرة، فعوِّد نفسك بكل عملك وبإدارتك وبتجارتك وصناعتك وزراعتك، أنْ تبحثَ عن إنسان تثق بعلمه وخبرته وورعه لتستشيره، فأنت إذا استشرته فقد استعرت خبرة خمسين عامًا بسؤال واحد. 
فإذا كان النبي المعصوم، المؤيد بالوحي وبالمعجزات مأموٌر أن يشاور أصحابه، فنحن إذًا من باب أولى أن نستشير، وما مِن إنسان يقع في شر عمله إلا وقد انفرد برأيه، فمن استشار الرجال استعار عقولهم. فالذكي العاقل الموفق هو الذي يستشير، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحث ّأصحابه على المشاركة بقوله لهم "أشيروا علي أيها الناس"، وكلنا يعرف قصة الصحابي مع رسول الله في موقعة بدر لتحديد موقع المعركة وما فيها من دروس وعبر وقدوة لكل مَن يأتي بعده من العلماء والأمراء. فمفهوم المشاركة هو اشتراك ذهني ووجداني يحفز العاملين ويشجعهم على إبداء الرأي والتعاون ويشجعهم على تحمل المسؤولية في إنجاز أعمال معينة.
إن منهج المشاركة في الإدارة يشفي من علل انخفاض الروح المعنوية والإنتاجية لدى العاملين، ومع ذلك نجد أن المديرين محبطون في وظائفهم، ربما لأنهم لا يفهمون أدوارهم جيدًا في نظم المشاركة في الإدارة. فمنهج المشاركة في الإدارة يبدأ بالتصميم التنظيمي للعمل لكي يكون عونًا ويسمح باندماج العاملين في اتخاذ القرارات التشغيلية، ويكون لهم دور نشيط في إدارة العمل.
بالرغم من انتشار مبدأ المشاركة وتبنيه فإننا غالبًا ما نجد المديرين محبطين ومرتبكين حول مفاهيم المشاركة، وخاصةً في المراحل الأولى لتطبيق هذا المبدأ، فثمة فرقٌ وجماعات عمل خارج السيطرة، واعتراف رجال الإدارة الوسطى بأن إحباطهم يأتي نتيجة فقدهم المستمر لنفوذهم على عمليات العمل وتحدي خبراتهم وتخصصهم بآخرين، هذا كله يخلق مشكلات أمام مديري القوى البشرية عند إحداث التغيير في ثقافة المنظمة.
إن من بين أسباب الإحباط الذي تعانيه الإدارة في تطبيق مبدأ المشاركة في الإدارة التقلب في الأطوار والمزاج للانتقال من الإدارة السلطوية إلى الإدارة المشاركة، فالمديرون غالبًا يفتقدون "خريطة المفاهيم" التي تساعدهم على إدراك التقلبات في المناخ عند كل مرحلة تغيير، وبدون هذه الخريطة يسلكون طرقًا خاطئة ويقعون في وديان سحيقة.
فإذا افتقد المديرون خريطة المفاهيم فسوف يتحركون طبقًا لتوقعاتهم الشخصية، وغالبًا ما تكون غير حقيقية بالنسبة لهم أو بالنسبة لفرق وجماعات عملهم، ويجدون أنفسهم في مفترق الطرق بين توقعاتهم عن سلوكهم في المشاركة وما يعتقدونه في الممارسة الديكتاتورية في أنها هي التي تنجز الأعمال وتحقق الأهداف.   
إن نظم المشاركة في الإدارة تمر بمراحل خمس، ولكل مرحلة خريطة مفاهيم ترشد المديرين وتحقق الفعالية المطلوبة للمنظمة في تلك المرحلة، والمراحل هي:
1- المفاهيم: إدراك الحاجة إلى فكرة إنشاء نظام المشاركة في الإدارة أو تغيير النظام القائم إلى المشاركة، وهذا يتطلب وجود وكلاء للتغيير ومروجين للفكرة، والتحدي في هذه المرحلة هو فهم الفكرة.
2- تفريخ الأفكار وحضانتها: تبدأ المنظمة بعمليات التخطيط والتصميم والإعداد لإحداث التغيير المخطط، أي أنها تبدي وتقدم تأييدها لرؤية وكلاء التغيير، والتحدي في هذه المرحلة هو قبول الفكرة. 
3- التطبيق: تشكيل البناءات الهيكلية التي تكشف عن نموذج المشاركة في الإدارة، والتحدي في هذه المرحلة هو أن تجعل الفكرة تعمل.
4- التحول: تبدأ حالة التكيف والكفاءة والاقتدار، بل إن جماعات وفرق العمل تنمو هي أيضًا في مجال الكفاءة والاقتدار إلى حد تحمل مسؤولية تعظيم فعالية المنظمة، والتحدي في هذه المرحلة هو الاحتفاظ بالفكرة.
5- النضوج: التحسين والنمو العقلي والفكري، والتحدي في هذه المرحلة هو التحسين المستمر.
تختلف الأدوار المطلوبة من المديرين باختلاف مراحل المشاركة في الإدارة لتعظيم فعالية المنظمة (المستوى الأول للإدارة/ المشرفين/ رؤساء فرق وجماعات العمل).
في المراحل الأولى: يوجهون وينمون مهارات أعضاء المنظمة وخاصةً المهارات الفنية الوظيفية: تكنولوجيا، والتصنيع، والتسويق، والتمويل.
مهارات إدارية وتنظيمية (اتخاذ القرارات الجماعية، والتغذية الراجعة تقبلاً وعطاءً، وتقبل العمل ضمن ثقافات مختلفة ومتعددة).
في المرحلة النهائية: تنمية مهارات الأعضاء في إدارة القوى الخارجية التي تؤثر في قرارات المجموعة: توفير المصادر، ومحاولة كسب التأييد للمشاركة في أنشطة المنظمة الرئيسة، ومراقبة أنشطة المنافسين وسلوكهم، وعمليات التنسيق والتكامل بين مستويات الإدارة المختلفة.
نصيحة: إذا كان هناك أدنى احتمال للتوقف أو إجهاض الفكرة، فمن الأفضل عدم البدء في تنفيذ المشروع، لأن بداية التطبيق تعطي أمل توقع الاستمرارية في المشروع، وإلا شاع مناخ تنظيمي بعدم الثقة، ويصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل السير في هذا الطريق مرةً أخرى بالأعضاء أنفسهم.
"من المفضل عدم القفز من قمة جبل إلى المجهول"
تذكر أن المشاركة هي: اشتراك ذهني ووجداني يحفز العاملين ويشجعهم على إبداء الرأي والتعاون ويشجعهم على تحمل المسؤولية في إنجاز أعمال معينة. 
* أستاذ مشارك – بحوث العمليات ونظم دعم القرار
جامعة القدس المفتوحة - فرع شمال غزة