جامعة القدس المفتوحة

*الإدارة الرديفــــــة

نشر بتاريخ: 12-08-2017

 
 
*د. محمد اشتيوي
 
 
قد يتحقق نجاح العمل الإداري أو فشله بمدى توافر عوامل القوة والإمكانات المتوفرة لدى المنظمات سواء أكان ذلك من الناحية المادية أو المعنوية أو البشرية أو غير ذلك، ولما كان المفهوم الإداري عمومًا يذهب إلى تحويل تلك الإمكانات والمقدرات المملوكة إلى مخرجات يمكن الاستفادة منها سواء على صورة سلع أو خدمات، فذلك من خلال العنصر البشري بصفته العنصر الأهم في عملية التحويل دون غيره من العوامل الإنتاجية الأخرى، فهو الذي يبث عنصر الحياة في المنظمة ويمشي في عروقها كما الدم يمشي في عروق الإنسان، وعلى الرغم بأنه عنصر مدخل من مدخلات العملية الإنتاجية، فإنه هو الذي يقوم بعملية تحويل جميع العناصر المدخلة-وهو من ضمنها-إلى تلك المخرجات المشار إليها، فإذا توفر العنصر البشري الفاعل كمًّا ونوعًا فإن العملية الإنتاجية بكامل مراحلها ستسهم في تحقيق النجاح في العمل. وهنا لا بد من الوقوف أمام مستوى اهتمام الإدارة العليا بهذا العنصر المهم في العملية الإنتاجية، ومدى ثقتها به وطريقة تعاملها معه. 
بعض الإدارات العليا في المنظمات تتبع أسلوب المركزية المطلقة في إدارة أعمالها وتعاملاتها مع العاملين، وهذا سيحجب قدرات العاملين وإمكاناتهم التي يمكن الاستفادة منها في تحسين الأعمال في المنظمة وتطويرها، فتصبح المنظمة منظمة الرجل الواحد، ويصبح المدير هو الآمر الناهي في كل تفاصيل العمل ومجرياته، ما يتطلب حاجات ومتطلبات للعمل تفوق قدرات هذا المدير المركزي، فيسب فشلًا نسبيًا متفاوتًا في الأداء.
 مقابل ذلك، هناك العديد من الإدارات العليا للمنظمات تنتهج أسلوب اللامركزية في العمل، وتتقبل تعددية الآراء والعمل الجماعي التشاركي، وتتكون مفاصل العمل فيها بشكل تراكبي عضوي، فيتم النظر إلى مخرجات العمل فيها كمنتج شارك وأسهم فيه الجميع ويتحمل مسؤولية نجاحه وفشله الجميع أيضًا، فكل مستوى أو مرحلة من مراحل الإنتاج تكون مسؤوليتها مختلفة من حيث ماهيتها ومن حيث القائمون عليها، بذلك يفتح مفهوم اللامركزية المجال أمام العاملين لكي يتحملوا مسؤولياتهم عن أعمالهم التي يؤدونها، ولكن هذا مرهون بقدراتهم وإمكاناتهم التي أهلتهم لها المنظمة ودربتهم على القيام بها، وهو ما يمكن ترجمته الضمنية إلى المفهوم العلمي بـــ "التمكين الإداري" الذي يشير إلى نقل المديرين جزءًا من صلاحياتهم ومسؤولياتهم لمرؤوسيهم الأدنون منهم في المستويات الإدارية حتى يقوموا بأعمالهم بحسب تخصصهم وإمكاناتهم التي يستطيعون من خلالها تأدية الأعمال الموكلة إليهم، وكأن الإدارة العليا من خلال نقلها جزءًا من صلاحياتها للعاملين تقصد به تدريبهم وتأهيلهم ليمارسوا دور القيادة الأعلى منهم في المنظمة، وهذا يؤهل إلى إمكانية التناوب على الأعمال حال غياب الموظف الأصيل من الإدارة العليا وشغل الموظف الأدنى منه في المستوى الإداري مكانه، وهذا يسد الفجوة في العمل ويجعله مستمرًا دائمًا غير مرتبط بشخص واحد، وكأن العاملين يشكلون قوة رادفة لإدارتهم العليا يمكن أن تمارس دورها الإسنادي عند حاجة المنظمة لذلك.
فمفهوم الإدارة الرديفة يمكن أن يتحقق من منطلق النظر إلى المخزون البشري المميز الذي تمتلكه المنظمات، الذي من شأنه أن يحقق تشكيلًا ضمنيًا ومعرفيًا ومهاريًا يمكن الانطلاق من خلاله نحو التنافس مع المنظمات الأخرى، وهو المُقَدر الذي يمكن للإدارة العليا في المنظمة أن تعتمد عليه عند الحاجة، ولا سيما عند غياب دور الإدارة العليا الأصيلة تبعًا لأي من الأسباب المختلفة، بحيث يكون ذاك المقدر البشري جاهزًا لسد الفجوة الحاصلة، وأن يتقلد مقاليد الإدارة العليا وتحمل المسؤولية الكاملة عن عمل المنظمة وأدائها، كما أن دور الإدارة الرديفة لا يقف عند سد هذه الفجوة فحسب، بل إن دورها دور الرافد الداعم للإدارة العليا في أثناء وجودها أيضًا انطلاقًا من مستوى المهارات العليا التي يمكن أن تفيد منها المنظمة في أي وقت من الأوقات. وهذا ما يجعل مثل هذه النوعية من العناصر البشرية مخزونًا نوعيًا يمكن الاعتماد عليه استراتيجيًا طوال حياة المنظمة، وإن المنظمة التي تعدّ هذا النوع من العناصر البشرية وتجهّزه تجعل لنفسها هامشًا من الأمان المعتمد على مخزون بشري احتياطي عند الحاجة. 
ولا يقف التفكير في استخدام ذاك المخزون على المستوى المحلي للمنظمة، بل من الممكن للمنظمة أن تنطلق من خلاله إلى البيئة الخارجية كأحد عناصر المنافسة بين أقرانها من المنظمات الأخرى، سواء من حيث مخرجاتها السلعية أو الخدمية، أو من خلال إسناد المنظمات الضعيفة مهاريًا بقدراتها الاستشارية الداعمة باتجاه التطوير ورفع مكانتها ومستواها في سوق العمل. فإرداف آخرين من المنظمات يضع المنظمة محل التميز ومحل الاهتمام والمقارنة لتكون مثلاً يحتذى به عند عمليات التطوير المختلفة. 
 
*جامعة القدس المفتوحة- فرع الوسطى