جامعة القدس المفتوحة

جامعة القدس المفتوحة.. المُبادِرة الحاضِنة للمسؤولية المجتمعية للجامعات العربية

نشر بتاريخ: 12-08-2017

 
* أ. د. يوسف ذياب عواد
   
قلما حظي موضوع باهتمام بالغ قَدْرَ ما بلغه موضوع المسؤولية المجتمعية للجامعات، وذلك انطلاقًا من دورها التأثيري الكبير والعميق في مختلف جنبات المجتمع، لا سيما التنموية منها؛ فهي (الجامعات) الأكثر قدرة تأثيرية في طلبتها ثقافة وممارسة، وهي التي تمتلك القدرات والاختصاصات التي تمكِّنها من تدريب الكوادر وتطويرها لصالح القطاعات المجتمعية. 
إنّ الجامعة اليوم لم تعد مؤسسة تعليمية فحسب، بل مؤسسة مجتمعية يتوقع منها المجتمع أن تقدم إسهامات بارزة وناجزة من خلال شراكة واقعية متوازنة. ومن المُسلَّم به الآن، وأكثر من أي وقت مضى، عدم وجود جامعة ما تُغيّبُ اهتماماتها عن مشكلات المجتمع؛ ذلك أنَ عليها أن تسهم في تشخيص الواقع وتشارك في معالجته ضمن خبرة تخصصية مبنيّة على خطة مدروسة يضع القائمون عليها نصب أعينهم تقدير أولويات التدخل وآلياته وتحديد شركاء المرحلة، وتخصيص مستلزماتها المادية والبشرية. هذه الخطة الناجزة يتوقع منها أن تقسم أهدافها بفعل أنشطة إجرائية موزعة على مدار السنة وتقيس إنجازاتها، وتحدد إخفاقاتها ضمن مؤشرات قياس، لها معاييرها الموضوعية.
إنّ عهد المسؤولية المجتمعية للجامعات يتميزُ باختلافه الكبير عن النظرة التقليدية السابقة التي كانت تطال جانبًا معينًا، وغالبًا ما كان ينبع من منطلقات إنسانية أو خيرية، بينما هي اليوم تطال أبعادًا اقتصادية وبيئية واجتماعية لها جانب كبير من الشمولية، وباتت المواصفة الدولية الآيزو (26000 ISO) تشترط على الجامعات تحقيق أهداف متعلقة بالمسؤولية المجتمعية شرطًا رئيسًا لتحقيق امتيازاتها.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الأساس الذي يجري التعامل معه مع الطلبة المحتاجين ينطلق من توفير أقساط جزئية أو كلية لهم بداية كل عام أو فصل دراسي من بعض المُحسنين في المجتمع المحلي دون خدمات أخرى، بينما هي اليوم تعضُدُ طلبتها وتكسبهم خبرات ومهارات من خلال إدخالهم في مسارات متعددة تعدّ في صلب اهتمامات المجتمع، كالتطوع في تدريس الطلبة ذوي التحصيل المتدني داخل منازلهم أو مدارسهم، أو التبرع بالدم، أو الخدمة الطوعية في مستشفيات معينة ومؤسسات ودوائر مختلفة، أو المشاركة في فعاليات هادفة تخصّ قضية جديرة بالاعتبار، كما أصبحت الجامعات اليوم توفر لهم فرصة التعلم المستمر بما يحقق حاجات المجتمع المتغيرة باستمرار، بل تطرح تخصصات حسب احتياجات سوق العمل. كما أصبحت الجامعات تخصص دوائر متابعة للخريجين لدمجهم في سوق العمل، سواء بالتدريب بعد التخرج بما يعرف بتعزيز القدرات أو بعقد أيام توظيف، بالتعاون مع الشركات والمؤسسات والوزارات، لإتاحة المجال لعرض الاحتياجات ومطابقة القدرات للمهتمين بالعمل. ويضاف إلى ذلك كله، وجود برامج الإعاقة والإبداع التي دفعت الكثير منهم لإنتاج براءات اختراع، كما تطورت خدماتها لتشمل العلاجات الصحية، وتوفير مختبرات ناطقة للمكفوفين، ومراكز تعنى باضطرابات الطفولة، كذلك إعفاء ذوي الإعاقة من الأقساط واستيعاب نسبة منهم بوظائف تناسب طبيعة إعاقاتهم. كما عقدت الجامعات كثيرًا من الندوات والمؤتمرات في موضوعات عدة، كالبيئة والتلوث وإعادة تدوير المنتج ومعالجة مياه الصرف الصحي وتعزيز ثقافة النظافة. كما أبرزت كثيرًا من النشاطات ذات العلاقة بسوق العمل والاقتصاد وحقوق المعاقين والعمال، وأثارت اهتمامات كبيرة بتعميق النهج الديموقراطي وتعزيز الشفافية والمساواة وإيجاد صناديق للشكاوى بشتى السبل لتحقيق آليات فعالة تغرس دعائم الصحة النفسية السوية في سلوكيات مواطنين فاعلين.
إن الجامعات اليوم-أكثر من أي وقت مضى-تنتهج مبدأ الشراكة مع المؤسسات المجتمعية لتحقيق منفعة متبادلة تصبّ في خدمة المجتمع؛ على مبدأ أن الجامعات هي صاحبة المبادرات المبنية على الحاجة الفعلية وصهرها في الصالح العام، كما أن لديها من الطاقات ما يبشر بمحاصرة الأضرار وتعظيم المنافع، ولعل في توجيه الاستثمار نحو الطاقة البديلة أكبر مثال على ذلك.
وفي ضوء ما سبق وانسجامًا مع التوجهات المرعية محليًا وعالميًا، خطت جامعة القدس المفتوحة، وبتشجيع من رئاستها ممثلة بالأستاذ الدكتور يونس عمرو، خطوات عملية ناجحة تجاه منهجية هذا المنحى وتأطيره في نفوس العاملين والطلبة. ولعلها الجامعة الأولى التي وضعت ضمن استراتيجياتها بندًا خاصًا معلنًا ومتعلقًا بالمسؤولية المجتمعية على مدى خمس سنوات بغية استقطاب مهتمين وتحقيق مبدأ الشراكة لتحقيقها بوصفها جزءًا مهمًا من إجراءاتها؛ لأن المسؤولية المجتمعية لا تتم دون شركاء، فبقدر ما تتعدد الشراكات تتحقق الأهداف من زاوية الكم والنوع معًا.
وقد تجلى تاريخ بدايات المسؤولية المجتمعية حين أُلِّفَ دليل خاص بالمسؤولية المجتمعية للجامعات عام 2010م وأُهديتْ نسخة منه أو أكثر لكل جامعة عربية تتبع الاتحاد العام للجامعات العربية، بغية تحفيز الاهتمام بهذا المنحى الجديد وتبني سياسات خاصة به، لا سيما أن تعميم الخبرة بهذا المجال يحتل نواة الاهتمام ذاته. ثم أتْبَعَتْ جامعة القدس المفتوحة ذلك بعقد مؤتمر علمي شاركت فيه الجامعات الفلسطينية وأسهم إلى حد بعيد في إثارة الاهتمام بهذا الموضوع على نحو مناسب، وكان من أبرز إنجازات المؤتمر العمل على تأليف مقرر دراسي يتناول المسؤولية المجتمعية ويكون إجباريًا لطلبة كلية التنمية الاجتماعية والأسرية واختياريًا لغيرهم، وقد سجل لهذا المقرر منذ سنة 2011م حتى الآن ما يزيد عن ثلاثين ألف طالب وطالبة، وبذلك تكون جامعة القدس المفتوحة أول من أرسى قواعد المسؤولية المجتمعية وأسس لهذا الاهتمام الرشيد على صعيد الجامعات العربية ضمن منهاج دراسي متكامل يكرس الاهتمام والخبرة معًا حتى يفيد الطلبة من ذلك، ويسهموا بجهودهم في عملية البناء والتطوير بوصف ذلك واجبًا يعززه الانتماء والشراكة والعطاء. 
وفي سعي جديد عقدت جامعة القدس المفتوحة اتفاقية شراكة مع جامعة الزرقاء الأردنية لعقد المؤتمر العربي الأول في المسؤولية المجتمعية للجامعات خلال الفترة الواقعة بين 19-20/4/2017م، إيمانًا منّا بقدرتنا في التأثير وتصدير الخبرة وإقحامها عمق الاستراتيجيات الخاصة بالجامعات، وإتاحة الفرصة لتبادل الخبرات وصياغة التحديات التي تتصل بالعولمة وبمجتمعات المعرفة والحداثة، لتكون عونًا لنا وللآخرين في تبني أفكار ريادية في الشراكة المجتمعية والإقليمية أيضًا، تلك التي ينبغي أن تلعب فيها الجامعات دورًا مركزيًا.
أجل، إننا أمام هذه الجهود المباركة، لنأملُ في مرحلة لاحقة أنْ يجري استصدار تشريعات مناسبة تقحم الجميع في الهمّ التنموي لنؤسس مشاركة طوعية تقعُ ضمن عدة خيارات، يقوم بها الفرد باختيار ما يناسبه للإيفاء بها. وبمعنى آخر، إنّ التشريع لا يعفي أحدًا من واجبه المسؤول مجتمعيًا؛ طالبًا أو إداريًا أو أكاديميًا، وهذا بطبيعة الحال نقطة انتصار مهمة في تطور حال المسؤولية المجتمعية للجامعات.
على الرغم من أهمية ذلك كله، يجب ألا يغيب عن بالنا-ونحن نتحدث عن المسؤولية المجتمعية للجامعات في عمقها العربي-أن هناك بعدًا دوليًا ينبغي أن ينصهر فيه الجهد المنشود لتكريس مسؤولية مجتمعية بتقاطعات دولية، كربط المسؤولية المجتمعية بالمسؤولية الإنسانية، وربط ذلك بتقاطعات وطنية على الصعيد الداخلي أو (قومية) على الصعيد الإقليمي. وعلى الرغم مما قدمته جامعة القدس المفتوحة من إسهامات كبيرة، فإن المجال لا يزال يتسع لاحتضان رؤى جديدة ومنطلقات سديدة لتعميق مأسسة للمسؤولية المجتمعية وإرساء معالم مستقبل واعد يقدم فيه الفرد واجباته، ويحصد ما له من حقوق. وبين هذا وذاك نلمس جهودًا متفانية والتزامًا قويمًا يدفعنا جميعًا إلى تحمّل تأثيراتنا التي تسبب الضرر، ونسارع لتعظيم الإيجابيات. ليس هذا فحسب؛ بل لا بد أن نعرف مسؤوليتنا المجتمعية من زاوية ممارساتنا والتزامنا بواجباتنا من خلال تقديم استثماراتنا الفكرية والمهنية والوقوف على الظواهر السلبية وإثارة الاهتمام بمعالجتها.
إن الشخص المسؤول مجتمعيًا ليس بالأصم نفسيًا وليس بالثرثار دعائيًا، بل من يعرف قدر نفسه ويعرف معضلات مجتمعه، ولا يقف موقف المتفرج أمامها، بل يصهر ذاته في بوتقة المجتمع ويعمل بطواعية وعن بصر وبصيرة في سقاية شجرة وارفة يَتَفَيأُ ظلالها أناس جمعوا آمالهم وآلامهم ليسعدوا ببيئة صديقة وينعموا برفاهية نظام حياةٍ تتكامل فيه الأدوار، وتعزز السبل، ويكون الجميع في هذا المجتمع على درجة عالية من الأهمية، وينظرون لذواتهم بإحدى أعينهم، فيما تنظر الأخرى وترقب استحقاقات مجتمعية. لذا فالمسؤولية المجتمعية بهذه الصورة لا ضباب يكتنفها أو يتحيفُ تعريفها؛ لأن الكل يعمل في مصلحة الكل، وكأن لسان حالها يقول: أنت قادر على أن تسهم بعطاء ترتضيه، وتجنب حالاً تضر بك أو بآخرين، فانفض الملام، وأشهِرْ جُهْدَك طواعية تعزز مواطنتك وتشعر بقيمتك من فيض إنجازاتك التي لا ترنو لكسب مادي أو نفع شخصي، إيمانًا بقول الحقّ جلّ وعلا? وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ? صدق الله العظيم.
وسواء أكان الأمر فردًا أو مؤسسة، فالمسؤولية لا تعفي أحدًا مهما كان موقعه، لأن المصلحة المجتمعية لا تكتمل إلا بوجود الفرد والجماعة معًا.
 
 
*مدير فرع نابلس-خبير المسؤولية المجتمعية للجامعات